اقتصاد

«نحو العدالة في توزيع الدخل وتكافؤ الفرص».. حلول عاجلة للأزمة الاقتصادية الليبية

المتوسط/ الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي

مقدمة

تمر ليبيا الآن بأزمة اقتصادية خانقة نتيجة احتدام الصراع والاحتراب والمغالبة على امتلاك أسباب القوة والسلطة والنفوذ في وطن استبيحت أرضه، وتم العبث بمصادر ثرواته، وأصبح مأوى للمتطرفين والطامعين ومكاناً للصراع المسلح وتصفية الحسابات. فتأثر الاقتصاد من سيادة الفوضى واختلال النظام الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتراجعت الإيرادات التي من أهمها إيرادات النفط والغاز، وزادت المصروفات والمطالبات فتعاظم عجز الميزانية وانخفض الاحتياطي، وتهاوت أنظمة المصارف تحت نقص السيولة، وتأثرت الخدمات سلباً فزادت انقطاعات الكهرباء، ونقصت السلع والخدمات من السوق، وتدنى سعر الصرف، وارتفعت معدلات التضخم وزادت الأسعار وانعكست إلى معاناة مريرة يعيش فيها المواطن ما يعيشه من طفافة العيش وانحسار الأمل في حياة حرة كريمة.

كانت ليبيا تعتبر من الدول الغنية نسبياً في شمال أفريقيا إذ بلغ الناتج المحلي دخل كل فرد في حدود 1500دينار ليبي (2010). والاقتصاد الليبي مقسم إلى جزأين: قطاع طاقة ذي قيمة عالية وتوظيف بسيط وقطاعات أخرى ذات قيمة بسيطة وتوظيف ضعيف، حيث أغلب عائدات ليبيا تأتي من النفط والغاز وهي تمثل أكثر من 80% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 95% من الصادرات وحوالي90% من عائدات الحكومة. ولذلك فالاقتصاد الليبي يعتمد بشكل كبير على الدخل من بيع النفط والغاز بدلاً من توليد المنتجات والخدمات من خلال الاستثمار والابتكار، فهو اقتصاد يعتمد على رخاء مؤرث بدلاً من رخاء مولد بأيدي أبنائه. وإذا لم تحسب عائدات النفط فان الناتج المحلي الإجمالي لكل شخص صغير جداً. والدخل يعاد توزيعه بشكل غير كفء من خلال المرتبات والدعم والتعليم والصحة وغيرها من القطاعات التي تفتقد إلى المعايير والإدارة الجيدة. ويلاحظ أن انتاج ليبيا من النفط قليل بالنسبة لاحتياطاتها اذ كانت ليبيا تنتج أكثر من 1.6 مليون برميل يوميا في سبعينيات القرن الماضي (انتاجها قبل الاحداث وصل الى 2مليون برميل يوميا).

كانت مرتبة ليبيا ممتازة في استقرار الاقتصاد الكلي فهي السابعة على مستوى العالم (2010 ) ولكنها تأثرت بعد الأحداث نتيجة لزيادة التضخم، وتدهور الامن، وعدم اتزان الميزانية وأصبحت في المرتبة73 (2012-2013). أما سنة 2015 فان الميزانية التي أقرها البرلمان في حدود 43 مليار دينار والإيرادات قدرت بحوالي 17 مليار فيكون العجز 26 مليار أي حوالي 60% من الميزانية مما يجعل ليبيا في أسوأ المراتب وفي قاع القائمة من أسفل. والوضع في 2016 أكثر سوء.

وارتفعت نسبة التضخم وتأخرت مرتبة ليبيا في هذا المؤشر من 67 (2011) إلى 134 (2012). والوضعية الأن أسوء كثيراً. كما ساء التصنيف الائتماني لليبيا نتيجة لزيادة المخاطر السياسية والاقتصادية والمالية وتأخرت مرتبة ليبيا في هذا المؤشر من 70 (2010) الى 101 (2012). أما الان فهي في ذيل القائمة.

الرؤية:

الرؤية الاقتصادية تطرح سؤالا ما هو العمل؟ الاقتصاد الليبي الحالي لا يخلق فرص عمل لليبيين، ولكنه، يخلق فرص عمل للشركات الاجنبية، وهو اقتصاد بعيد عن الاقتصاد الرقمي الذي يعمل على توفير فرص العمل لليبيين. والاقتصاد الحالي وسلوكه لا يهتم معا وفي ذات الزمن بالاقتصاد الجزئي والكلي كسياسات اقتصادية مندمجة تحقق التنوع الربحي ورفع معدلات الدخل لدي الليبيين. فلا مجال لنجاح أية رؤية اقتصادية بدون اعداد احتياجات القطاعات الخاصة والاهلية لأي موازنات مرتقبة.

وإذا قلنا إن الحاجة الحالية تتطلب الدعوة الي إعلان الاصلاح الاقتصادي فإننا نعترف أيضاً بوجود خلل في الوضع الاقتصادي القائم الذي يتوجب معهُ إحداث تعديل او تطوير أيضاً غير جذري في شكل النظام الاقتصادي، وبدون المساس بهويته، فقط إحداث التحسين للنشاط وأداء النظام الاقتصادي ودون تغيير أسسهِ.

فالرسالة الثقافية للرؤية هذه والموجهة عبر الاصلاح الاقتصادي تصب لصالح تلك التحولات الاقتصادية المطلوب إحداثها في المجتمع وهي تؤسس لمرحله اقتصاديه جديده مع التمسك بالمفاهيم الاجتماعية والثقافية والمؤسسية للمجتمع في ظل انفتاح اقتصادي عصري يقوم على الإدارة الحديثة وفصل الإدارة عن الملكية والشفافية ومحاربه الفساد وتكافؤ الفرص ومنع الاحتكار.

ترتكز الرؤية على اعادة احياء تصاميم جديده للعقد الاجتماعي والاقتصادي قائمه على الشراكة الوطنية بين القطاع العام والخاص، والأهلي بآليات التمكين وتكافؤ الفرص والارادة، وهذه الاضلاع الثلاثة هي المعنية ومن خلال مهامها المجتمعية العقدية بتحقيق الاستدام الاقتصادي في المجتمع. وهنا ينبغي، عند الحديث عن الاستدام الاقتصادي، ان المثلث الفاعل، الذي يجب صنعهُ من خلال اعادة قيام عقد اجتماعي اقتصادي جديد، في العمليات الاقتصادية لابد من تداوله وصياغته كقطاعات اساسيه لعمليات الاستدام الاقتصادي في ليبيا. والامر يحتاج الى مأسسة هذا التطور المفقود في ليبيا، من خلال وضع الوثائق والعهود لشراكة عمليه قاعدتها التمكين وتكافؤ الفرص والولاء للوطن دون سواه. تلك التي تستهدف التوسع وعدم التضييق والخنق في عملياتها المختلفة ولا تمنع الاستعانة بأفرادها وكفاءاتها وقدرات المواطنة لديها.

ومن هنا يأتي التساؤل أين يكون موقع الاحتياج الاقتصادي في ليبيا في ظل هذه الأسئلة، ومن يقوده؟ وكيف وإلى أي مدى؟ فعدم صنع الأسئلة عند صنع التوجهات وتحديد الاختيارات، خصوصاً في المسائل الاقتصادية، يؤدي دائماً إلى اختلالات في النظرية والممارسة في أي فرع من فروع الاقتصاد. ومن هنا فأن الرؤية المعاصرة والمنقضة للانحدار وإدمان الفشل الاقتصادي في الاداء والوظيفة لا تخرج من التحقق من تحقيق التطلعات التالية لعموم الليبيين:

  1. تحسين مستوى المعيشة للمواطنين.
  2. تنويع هيكل الاقتصاد الليبي.
  3. زيادة الصادرات غير النفطية.
  4. تحرير الاقتصاد من هيمنة قطاع النفط.
  5. تحقيق العدالة في توزيع الدخل وتكافؤ الفرص.
  6. تحقيق تنمية الموارد البشرية.
  7. تحقيق تنمية مكانية متوازنة وعادلة.

والرؤية المعروضة هذه تتطلب المثول أمام قانون التنازلات المؤلمة لأطراف الصراع في ليبيا، وذلك للخروج بتوليفة اقتصادية على الاقل، بحكم أن الثروة ملك لكل الليبيين، وليست ملكاً لمن أدعي السيطرة عليها. ومن أهم التنازلات المؤلمة الخروج “باتفاق اقتصادي” أو ” باتفاق مصرفي مالي” وتطوير التشريعات التي من شأنها توزيع الثروة

بشكل عادل الليبيين، في مقابل زيادة أنتاج النفط والطاقة، وتطوير الاستثمارات في جميع القطاعات الاقتصادية الخدمية والانتاجية، ومعالجة الحوافز الضريبية.

تبني اقتصاد متنوع يقلل بالتدريج الاعتماد على النفط والغاز ويعمل على تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة تنافسيته فالتنوع الاقتصادي أكثر قدرة على خلق الوظائف والفرص للجيل الحالي والأجيال القادمة وأقل عرضة للهزات الاقتصادية وتذبذبات أسعار النفط وهو ضروري للحاجة الماسة إلى مصادر متجدده لخلق الثروة وتوليد الدخل ومساندة الاستهلاك بعد نضوب احتياطيات النفط والغاز.

استهداف مشاريع ذات أولوية اقتصادية واجتماعية في قطاعات مختلفة وتوجيه الموارد اليها، وفي نفس الوقت تهيئ بيئة اقتصادية تمكينية تشجع على الاستثمار فيها، وتساند القطاع الخاص وتخلق له الفرص ليتفرع لمجالات جديدة.

الإصلاحات:

برنامج ما بعد الأزمة الاقتصادية:

يشمل البرنامج حزمة من الإصلاحات والإجراءات في كلاً من تهيئة الظروف لتحقيق الأمن والاستقرار، والاستقرار الاقتصادي، والإصلاح المؤسساتي، والإصلاح المالي والمصرفي، وتشجيع القطاع الخاص، واعادة تنظيم سوق العمل، وزيادة كفاءة وفاعلية قطاع الطاقة، واعداد نظام شامل وفعال للعناية والحماية الاجتماعية، والتنوع الاقتصادي مع بعض الإجراءات والترتيبات التي تساهم في تحقيق الأمن والتحكم وزيادة الموارد وتقليل الصرف:

– تهيئة الظروف والأجواء المناسبة لتحقيق الأمن والاستقرار:

– التهيئة والإعداد لاستقرار الاقتصاد الكلي.

– تحسين البيئة المؤسساتية.

– الاصلاح المالي والمصرفي.

– زيادة كفاءة وفعالية قطاع الطاقة.

– تشجيع القطاع الخاص.

– اعادة تنظيم كامل لسوق العمل وزيادة كفاءته.

– اعداد نظام شامل وفعال للرعاية والحماية الاجتماعية.

– التنوع الاقتصادي.

الحلول العاجلة:

الإصلاحات العاجلة في المرحلة الانتقالية:-

ان التفكير في إيجاد الحل للمشاكل التي يعاني منها المواطن الليبي وسوء الحالة المعيشية وتدني الدخل والغلاء الفاحش وارتفاع التضخم الناتج عن تدني قيمه الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية التي تمثل اهميه قصوى لمجتمع مستورد كل احتياجاته من الخارج.

وكذلك ان السوق في ليبيا الان يتحكم فيه السوق الموازي (black market وهو الذي يحل محل السوق الحقيقي او السوق الرسمي جاء لضعف المؤسسات المالية الرسمية نتيجة لتفكك الدولة بسبب الانقسام السياسي والفوضى الأمنية وعدم وجود الاعتمادات والحوالات المصرفية وان وجدت يشبوها الفساد وغياب الأجهزة الرقابية حيث يمرح التجار والمضاربين في السوق حيث لا توجد أجهزة رقابية تحمي المستهلك من هذا التوحش الذي يسيطر على السوق الليبي اليوم.

ما الحل؟

أولا توحيد المؤسسات المالية (الجهاز المصرفي)

ثانيا التنسيق بين القطاعات المالية والمصرفية والتجارية والرقابية لوضع سياسات ماليه ونقديه وتجاريه تتمشى مع المرحلة.

ثالثا مراجعة أوجه إنفاق النقد الأجنبي:

1-      تقليص البعثات الخارجية (السفارات) حيث لا توجد حاجه الان الي عدد كبير من السفارات في الخارج وتقليص عدد الموظفين.

2-      مراجعه دعم الوقود.

3-      تقليص مهام السفر والبقاء على الحد الأدنى والضروري منها.

رابعا حل مشكله السيولة تعد تحدي كبيرا الآن أثر بشكل ملحوظ على المواطن وعدم استخدام الوسائل البديلة للسيولة (وسائل الدفع الإلكترونية الحديثة) وحيث إن السيولة مصدرها الايداعات وليس طبع المزيد من النقود الذي انتهجها المصرف المركزي مما زاد عرض النقود في السوق وهيا بدورها مسؤولة عن التضخم الذي يجتاح السوق ويمكن أتباع سياسة نقديه تساهم في إعادة السيولة (المهاجرة) في البنوك حول المصارف منها:

الحوافز وضمان سريه الحسابات وسرعه وصول المدخرين الي أموالهم وودائعهم وإعادة الثقة بين المصرف والزبون.

خامسا وضع سياسة تجارية للمرحلة بإعطاء الأولوية للسلع الضرورية.

سادسا العمل على وضع برامج مكافحه الازدواج في المرتبات الذي تعاني منه الخزانة العامة الامر الذي ضخم الميزانية الإدارية الذي وصل إلى أكثر من 30% من المرتبات الحقيقة للموظفين والقطاع العام. وللورقة بقية.

The post «نحو العدالة في توزيع الدخل وتكافؤ الفرص».. حلول عاجلة للأزمة الاقتصادية الليبية appeared first on صحيفة المتوسط.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة المتوسط الليبية

عن مصدر الخبر

صحيفة المتوسط الليبية

صحيفة المتوسط الليبية

أضف تعليقـك