منوعات

مسلسل Dark: عندما تتلقى الفلسفة ضربًا بالمطرقة

قناة 218 الليبية
مصدر الخبر / قناة 218 الليبية

عندما بدأت نيتفليكس حياتها الفنية كمنصّة بث مباشر، اعتمدت على شراء حقوق الأفلام والمسلسلات، وتقديمها للجمهور في حزمة واحدة ذات اشتراك شهري متوسط. وتلك الخطوة بالتحديد هي التي رفعت من شأنها بشدة، وحولتها من مجرد شركة تشتري الحقوق، إلى شركة تصنع تلك الحقوق لنفسها. وبالفعل، عملت المنصة على إنتاج عشرات العشرات من العروض والأفلام والمسلسلات الخاصة بها، كلها تحت مسمى (أعمال نيتفليكس الأصلية – Netflix Originals).

وعند الحديث عن الأعمال الأصلية، يجب الحديث عن المسلسل الألماني الأول بها: مسلسل Dark. صدر الموسم الأول منه في 2017، وحقق شهرة واسعة جدًا. وبناء عليه صدر الثاني في 2018  ومؤخرًا في منتصف 2020 صدر الموسم الثالث منه ليختتم السلسلة.

اليوم سنتحدث عن الأوجه الفلسفية للمسلسل، دون حرق أي شيء على الإطلاق، لا تقلقوا.

في مسلسل Dark، الأحداث كلها قائمة على السفر عبر الزمن. وفي كل مرة تنتقل فيها شخصية من زمن إلى زمن، نكتشف المزيد عنها، وعن السفر ذاته. مع مرور الأحداث، تُكشف المزيد من بطاقات اللعب، ونتعرف على الشخصيات والأماكن والأزمان مرة أخرى، كأننا نراها للمرة الأولى. مع كل بطاقة تُكشف، نُدرك حقيقة جديدة. ولهذا الفلسفة القائمة عليها فكرة السفر عبر الزمن هي: فلسفة التغيُّر.

المسلسل يجعلك تعتقد لوهلة أنك فهمت الشخصية بالكامل، وأنه لا توجد أبعاد أخرى لها على الإطلاق. يجعلك تكاد تُجزم أن تلك الشخصية تتصرف بالشكل الذي في عقلك، ولا توجد احتمالات أخرى لما سيحدث. لكن تجد ردود فعل مختلفة من نفس الشخصية التي توقعها ثابتة!

وذلك نظرًا لظهور متغيرات جديدة، أثرت فيها، وعملت على تغيير مبادئها. يحاول المسلسل باستمرار إقناعك بأنه إذا كان هناك مؤثر قوي على الشخص، من المتوقع جدًا تتغير تركيبته النفسية، فبالتالي ردود أفعاله.

نيتشه كانت حياته كلها قائمة على تعاطي الفلسفة ضربًا بالمطرقة. فلسفة هذا الرجل في الأساس صعبة البلع، ومن المستحيل تقبلها دون وجود بناء نفسي تراكمي يسمح بذلك. المسلسل لم يضع يده على فلسفة واحدة لفيلسوف واحد، وأقام عليها صرح القصة، لا. المسلسل أخذ فقط فكرة المطرقة، وعمل بنفسه على خلق فلسفة خاصة، ثم ضربك بها. وبما أنك مُشاهد غير مُهيَّأ بعد، قذفك المسلسل في وجه العديد من المواقف التي تُهشِّم توقعاتك، وتهزم النرجسية التي بداخلك. وبعد تجريد نفسك من الأنا العُليا بنجاح، ستبدأ في تقبل التغيير، وسيعمل عقلك فجأة، كمضخة عاطلة الغالق.

ستشرع في طرح العديد من الأسئلة على نفسك، أسئلة مثل: (لماذا قامت تلك الشخصية بفعل هذا الشيء؟ هل المؤلف يريد مني الاعتقاد بالعدمية أم الوجودية؟ ما نهاية كل هذا على كل حال؟)، وغيرها الكثير والكثير. تلك الأسئلة ستعمل بدورها على إقناعك أكثر وأكثر بفلسفة التغيُّر، لأنه مهما كانت إجاباتك صحيحة؛ فهي صحيحة بالنسبة للحاضر فقط. المستقبل به احتمالات أخرى، والماضي كذلك.

للأسف، هذا واحد من المبادئ الحياتية التي لا نريد التعامل معها بشكلٍ مباشر، ودائمًا ما ننكر وجودها. ربما هذا المبدأ يتناقض بشدة مع فلسفة التغيُّر التي يطرحها المسلسل، لكن منذ متى وتقدم القصة حبكة منطقية من الأساس؟

سر تميز Dark هو تقديم الشيء ونقيضه على الدوام. الموسم الأول مبني على الإيمان بالتغيير، والموسم الثاني مبني على عدم جدوى هذا التغيير. في الموسم الثاني، الرسالة الأساسية هي أن السعي لا يعني حتمية الوصول. أجل، يمكنك أن تفعل ما تشاء، وفي النهاية سيوجهك القدر إلى نهاية واحدة، ومُحددة مسبقًا. مع الوقت والأحداث نعرف إذا كان القدر فعلًا الذي حدد كل شيء، أم اللعبة في يد مجرد أفراد لعبوا دور الإله، لكن على كلٍ هذا ليس المقصد. المقصد هو أن اليأس ينتظر الجميع.

يمكن وضع قصة الموسم الأول في قالب يجمع بين الفلسفة العدمية والوجودية، بينما الثاني حتمًا يوضع في قالب الفلسفة التشاؤمية. مع كل حلقة تمر، تكاد تجزم أن الفيلسوف السوداوي آرثر شوبنهاور يقف في كل مشهد، وينثر كآبته في كل مكان.

في الواقع، هذا الموسم احتوى على أعقد أحداث في القصة كلها. بمعدل كل دقيقة تقريبًا تجد نفسك انتقلت بين ثلاثة إلى أربعة خطوط زمنية مختلفة، الوضع مربك حقًا. لكن مع الوقت تحاول القصة إرشادك نحو الخلاص، ومع كل حلقة تمر تُدرك أن كل شيء يبدأ في التجمُّع، وأن للقصة نهاية أخيرًا.

وتلك النهاية تعود مرة أخرى وتُغذيك بفلسفة التغيُّر التي تم قتلها تمامًا في الموسم الثاني. لكن مهلًا، لا تتعجل، الفلسفة هذه المرة متحوِّرة بعض الشيء. فلسفة الموسم الأول اعتمدت على وجود تغيير في كل شيء وأي شيء، مع شرط واحد فقط: اقتصار التغيير على التركيبة النفسية للأفراد.

دائمًا ما اعتقدنا أن القصة كلها عبارة عن دوائر زمنية مغلقة، تتقاطع مع بعضها البعض للأبد. لا يوجد مهرب منها أبدًا، ولن تستطيع أي شخصية كسر ذلك الترابط الكمومي على الإطلاق. أعطانا الموسم الأول فلسفة التغيير بالنسبة للشخصيات، وليس للأحداث. الأمر تجسد بشدة في قرارات يوناس ناحية ذاته. في كل مرة يوناس يتغير، وردود أفعاله تتغير، لكن في النهاية لا تُغيِّر شيئًا في مسار القصة. وهذا أكد عليه الموسم الثاني بالفلسفة التشاؤمية.

أما في الثالث تطور مفهوم التغيُّر، وشمل الأحداث بجانب الشخصيات. هنا أخيرًا، التغييرات التي تطرأ على الشخصيات فعلًا ستقوم بتغيير مسار القصة. ولأول مرة ربما يمكن فعلًا كسر الترابط الكمومي، وإنهاء كل شيء كأنه لم يوجد من الأساس. هذه المرة تغيرات يوناس ستؤثر في أفعاله، وتلك الأفعال ستؤثر في القصة بشكلٍ ما. لا يهم إذا نجح أو فشل، المهم هو وجود تأثير لفلسفة التغيير أخيرًا على الحياة الواقعية، بدلًا من مجرد التخبط في أوهام الذات.

فإذا نقلنا تلك الفلسفة بهيئتها الجديدة إلى الحيّز الواقعي، سيكون التأثير مهولًا. إذا اعتقدت لوهلة أن حياتك بائسة، الإيمان بفلسفة التغيُّر سيدفعك لتغييرها بنفسك. وإذا رأيت أن أحدهم يظلمك ويجور عليك، ستُدرك أنه في يومٍ ما سيتغير ويأتي ليعتذر. تلك الفلسفة في الأساس هي فلسفة تسامحية. للأسف في البداية نتعاطاها جميعًا ضربًا بالمطرقة، لكن في النهاية تعمل على تغيير حياتنا للأفضل فعلًا.

وأخيرًا وصلنا إلى الجزء النقدي في مقال اليوم. المسلسل بالكامل قائم على تقديم (كوكتيل) من الفلسفات للجمهور، لكن تلك الفلسفات لن تصل بالطريقة المطلوبة إلا عبر توطيدها بمجموعة عوامل. الآن سنسرد تلك العوامل بشيء من الاختصار، مُركّزين على أهمها بالطبع.

– سياسة التقطيع: هنا لا نقصد تقطيع المشاهد في المونتاج، بل تقطيعها في الكتابة. الانتقال الفجائي من زمن إلى زمن، ساعد على تقديم المشاهد بشكلٍ متسارع، حتى لا تركز على ما يحدث، بل على ما سينتج عنه. هذا أجبرك على التركيز في فلسفة المشهد، بدلًا من نصّ المشهد. فبالتالي تم تأجيج الحالة الشعورية لديك بنجاح –والتي في العادة ما تكون التوجس والريبة- بدون شك.

الموسيقى التصويرية: المميز في هذا المسلسل هو عدم الاعتماد على الألحان الأصلية بشدة. فعلى عكس مسلسلات كثيرة، اهتم مسلسل Dark بخلق الحالة الشعورية لدى المشاهدين، عبر جلب مقطوعات موسيقية بالفعل استمعوا إليها في حياتهم الواقعية، بعيدًا عن شاشات نيتفليكس. تلك الفكرة بدون شك تُحببك في المسلسل أكثر، خصوصًا إذا كنت من مُعجبي الأغنية التي استخدموها في الأساس. والجدير بالذكر أن أغنية In a Box II – The Labyrinth Song التي صدحت في نهاية الحلقة الرابعة بالموسم الثالث، رائعة بحق.

– الراحة البصرية: بالنسبة للكثير من المشاهدين، الإخراج يأتي أولًا. ومن ناحية الإخراج بالتحديد، فالمسلسل كان بارعًا في الواقع. أسلوب الإخراج اعتمد في الأساس على التماثلية في المشاهد، وهذا في حد ذاته يتوافق مع أسلوب التماثلية المستخدم في شارة البداية الشهيرة. تلك الشارة التي بدورها اعتمدت على تماثلية اختبار روشاخ النفسي. وإذا نظرنا جيدًا إلى فكرة التماثل في الإخراج، نجدها ترمز لوجود نصفين من كل شيء، وأنهما مهما اختلفا عن بعضهما البعض في الإضاءة والتركيب، يستحيل أن ينفصلا. وعند إسقاط تلك الفكرة على القصة، نجد أن الشخصيات فعلًا لا تستطيع الانفصال عن نسختها في الأزمنة الأخرى، بالرغم من الاختلافات الجوهرية فيهم.

في النهاية مسلسل Dark تجربة فلسفية ثرية للغاية، وعمل فني يستحق المشاهدة حتمًا.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من قناة 218 الليبية

عن مصدر الخبر

قناة 218 الليبية

قناة 218 الليبية

أضف تعليقـك