منوعات

مراجعة مسلسل The Boys: مرآة لواقع لا تريد قبوله

قناة 218 الليبية
مصدر الخبر / قناة 218 الليبية

غرور، حب، كره، احتقار، إجلال، وغيرها من المشاعر البشرية التي يتعامل معها الإنسان كل يوم، من أبسط موقف؛ لأعقد موقف. حاول الفن منذ فجر تاريخه، محاكاة تلك المشاعر بطريقة تتوافق مع الواقع من جهة، وتكون مقبولة للجمهور من جهة أخرى.

وعلى مدار عقود طويلة جدًا، تم صقل مهارة تغليف المشاعر بالأحداث الشيقة؛ وظهرت الكوميكس الأمريكية إلى السطح. استولت مارفيل على العالم سريعًا، و DC نافستها مباشرة، وانتقل الصراع إلى عالم السينما، وكذلك عالم التلفاز.

بينما تتصارع العمالقة، أرادت سلسلة كوميكس وحدها أن تُحلِّق خارج السرب، وتشرع في تقديم مستوى مختلف من السوداوية الممتزجة بالحماس. من المعروف أن DC تطرح السوداوية المفرطة، ومارفيل توازن بين الحزن والفرح؛ لكن فجأة أتت Dynamite Entertainment لتقديم عمل فنيّ تحت اسم The Boys، وتسرد وجهة نظر مختلفة للحياة من حولنا.

استطاعت الحبكة تفتيت كل العناصر التقليدية لصناعة العمل الفني الجاذب، واعتمدت على نقل الواقع كما هو، بدون محاكاة. حيث إن المحاكاة تنطوي على عوامل تجعلها (غير مشابهة) بعض الشيء للواقع؛ بينما النقل هو النقل، انتهى الأمر، تجسيد حيّ لا مفر من حلوه ومرّه.

قامت أمازون باستغلال الأمر سريعًا، وحولت الكتب المصورة إلى مسلسل كامل من موسمين، صدر الأول في 2019، والثاني في 2020؛ ليمهد الطريق إلى ثالث لم يُحدد ميعاد عرضه بعد. إنه عمل فني من الطراز الرفيع، وحتمًا يكسر نمطية النظرة التقليدية للخير والشر في عالمٍ فني دائم التغير، عالم قد يكون فيه قتل الناس؛ دلالة على سداد الرأي.

العالم لم يعد كما كان، والبشر لم يعودوا بشرًا. احتفظ بعض البشر بكونهم “تقليديين”، والبعض الآخر وُلد خارقًا بطبيعته. وقتها انقسم العالم مباشرة إلى بشر عاديين، وأبطال خارقين. بمجرد ترفّع الإنسان عن منزلة نفسه، تبدأ عقدة تأليه الذات؛ وللحد منها عن طريق استغلالها، تم إنشاء منظمة (فوت) الكُبرى.

شركة تجارية عملاقة تعمل على تضخيم الأبطال الخارقين بفضل الميديا والأفلام السينمائية، بينما يقومون بإنقاذ الناس من وقتٍ لآخر بهدف الحفاظ على صورتهم المتألقة ليس إلا.

تتغنى فوت بفريقها الممتاز من أفضل الأبطال؛ فريق السبعة – Seven. لديهم قدرات متنوعة، ولديهم شخصيات فعلًا تسترعي الانتباه. تبدأ الأحداث عندما يسقط أحد السبعة فجأة، ووقتها يصبح منصبه شاغرًا؛ وهنا شرعت فوت في البحث. تقدمت فتاة شابة تُدعى آني إلى اختبارات الالتحاق بالفريق؛ وبالفعل اجتازت كل شيء، وصارت (ستار لايت) البطلة التي لا تخشى شيئًا، والفتاة العنيدة التي تريد تحقيق العدالة بأي ثمن.

تُفاجَأ المسكينة بكَون كل شيء عبارة عن مسرحية هزلية كبيرة، تحول فيها الخارقون من أبطال فعلًا، إلى مجرد دُمى تصلح كواجهة إعلامية لجذب المزيد والمزيد من المستثمرين. ومن الناحية الأخرى، يُقتل أحد السبعة على يد فتى صيانة إلكترونيات. كيف وصل بطل خارق إلى يد الفتى؛ ليسحقه بتلك السهولة؟ وكيف سيتقاطع مصيره مع آني؟ وكيف لكل شيء أن يصنع لنا أحداثًا تجعل The Boys واحدًا من أبرز أعمال 2019 و2020 حصرًا؟

لتفسير تلك العبارة جيدًا، يجب أولًا تسليط الضوء على بعض المصطلحات الهامة. في عالم الفن القصصي عمومًا، دائمًا ما يوجد بطل – Protagonist ونقيض بطل – Antagonist، وشرير – Villain. البطل يكون هو الشخص الذي يكون إما مثاليًا للغاية، أو بشريًّا بطريقة عادية، ويحتوي على درجات مختلفة من الأبيض والأسود بداخل روحه.

ونقيض البطل يكون هو الشخصية الرئيسية في الأحداث، لكن أفعاله لا تكون بنسبة 100% جيدة أو خيرة؛ في الغالب بداخله نزعة إنسانية بسيطة، لكن تغلبها شرور النفس. أما الشرير فهو شرير بمعنى الكلمة، حيث يقتل ويذبح بدم بارد، ولا يهتم لأي أحد إلا نفسه.

عند النظر جيدًا إلى قصة The Boys، فيمكن القول إن الشخصيات الرئيسية ليست محدودة، بل تقريبًا كل الشخصيات هي شخصيات رئيسية. لكن على الرغم من وجود الكثير من الأبطال، فهناك شخص بعينه هو نقيض البطل، وسرعان ما استطاع سحب البساط من تحت أقدام الجميع، وأخذ الكاريزما كلها لنفسه.

هذا الشخص هو (هوم لاندر)، قائد فريق السبعة، وأقوى بطل خارق على سطح كوكب الأرض. هذا الرجل هو كتلة متحركة من الأمراض النفسية؛ متكبر، متغطرس، مشبّع بعقدة تأليه الذات، غيور، محب للسلطة، يعشق المديح، وتغمره الفرحة عندما يظهر على التلفاز بابتسامة عريضة قائلًا: “أنتم الأبطال الحقيقيون، وليس أنا”.

مع الوقت، تبدأ القصة في الالتفاف حول هوم لاندر بشكلٍ أو بآخر. وعلى الرغم من وجود مشاهد عديدة تحكي قصص الشخصيات كلها، فإن هوم لاندر موجود في كل قصة جانبية بطريقة مرعبة، إنه كالبومة في منتصف الليل، لا تستطيع الهرب منها في أي اتجاه، بسهولة ستلف عنقها وتحدق في عينيك المرتعشتين من هَول النظرة.

لكن لا حاجة للعجلة هنا، فهذا قد يجعل المشاهد يعتقد أنه شخصية منيعة، وأن ليس لديه نقطة ضعف؛ بالعكس، إنه مليء بنقاط الضعف. إنه يمثل كل واحد منا قبل أن تقوّمه الحياة وتُجبره على الرضوخ للواقع، بداخلنا نزعة نحو الكمال دومًا، وقلة الفرص الحياتية هي التي تحول دون تحقيق ما نريد في كل مرة. لكن هناك حقيقة واحدة في كل هذا الزيف: إننا نحب الاهتمام.

لا يوجد في هذه الحياة أثمن من الحب، أن يحبك أحدهم ويهتم بك، هذا أسمى شعور إنساني في الوجود. كوكبة من المشاعر المتدفقة في الجسد ستظهر مباشرة مع أضعف حضن أو أخف لمسة حنان على الرأس. لم يرد هوم لاندر في حياته سوى أن يحبه أحدهم، لذلك يريد للجميع أن يُغذوه بالحب الزائف. حياته كلها مجرد كذب على الذات لإرضاء الوهم، مما يجعله الشخص الذي يمتلك كل شيء، لكن لا شيء في نفس الوقت.

إنه يمثلنا جميعًا، ويمثل أيضًا الرغبة الدفينة في نفوس أبطال القصة، تلك الرغبة التي تقوضها الأخلاق المجتمعية والأدوار الحياتية المقولبة بكل ملل ورتابة. شخصية تستحق التحليل فعلًا، ومع مشاهدة المسلسل مرة وراء مرة، ستكشف المزيد من أوراقها دون أن تعلم.

أما بالنسبة لباقي الشخصية، فكانت متنوعة للغاية، وجديرة بالإعجاب فعلًا. حرص صانع المسلسل على تقديم أكثر من جنسية خلال مسار الأحداث، وهذا بالتأكيد إذعانًا لقواعد الجوائز العالمية الجديدة؛ والتي تنطوي على إدراج أعراق ولغات مختلفة في العمل الفني الواحد لضمان ترشحه من الأساس.

الشخصيات حملت بداخلها كل التناقضات المختلفة، ولهذا كان لا بد من مهارات تمثيلية ممتازة، وإخراج يعمل على إبراز كل مواطن قوة الممثلين أنفسهم؛ وهذا بالفعل ما حدث. طاقم العمل كله على درجة عالية من الاحترافية، ولم يكن The Boys هو العمل الأول لأغلبهم، وعلى وجه الدقة تمثيل Antony Starr كان فوق الممتاز، استطاع تجسيد محيط المشاعر المتلاطمة أمواجه بداخل نفس هوم لاندر؛ بأبدع وأقسى طريقة ممكنة.

أما من الناحية الإخراجية، فكانت الزوايا تقليدية في أغلب المشاهد، إلا بعضها؛ فكانت فيها زوايا مركبة ومعقدة جدًا بهدف إظهار أكثر من شخصية في نفس الكادر، دون الحاجة إلى عمل مشاهد انتقالية. وإدراج أكثر من شخصية في نفس الإطار يعمل على خلق حالة من التوجس والخوف لدى المشاهد، لأنه عليه متابعة تعبيرات وجه كل الشخصيات الأخرى، خوفًا من عدم انتقال المخرج بالكاميرا إلى وجوههم لاحقًا. وذلك بالتبعية يدفعه للتركيز في كل شيء وأي شيء، ويساعد على تسمير عينه أمام الشاشة لأطول فترة ممكنة.

هذا الأسلوب كان هو البطاقة الذهبية لإنقاذ المسلسل من المشاهد الحوارية الطويلة، والتي في بعض الأحيان أخذت أكثر من اللازم في مدة العرض.

الاهتمام بالمقطوعات الموسيقية واضح جدًا على مدار جميع الحلقات، وعلى مدار الموسمين بالكامل كذلك. اعتمد المخرج على اختيار مزيج من المقطوعات المؤلفة خصيصًا للمسلسل من جهة، والأغاني الموجودة في أرض الواقع من جهة أخرى.

وذلك ليربط المشاهد مع الأحداث، ويؤكد على أنها تدور في واقعه المعيش فعلًا، وليست بعيدة عنه بأي حال من الأحوال. والأمر لم يقتصر على الأغاني فقط، بل أيضًا تم ذكر يوتيوبرز مشهورين في المسلسل خلال مشاهد حوارية قصيرة وعابرة، لكن بالطبع تحدث فرقًا في الأجواء العامة؛ وعلى رأسهم: بيوديباي.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من قناة 218 الليبية

عن مصدر الخبر

قناة 218 الليبية

قناة 218 الليبية

أضف تعليقـك