منوعات

يا طغاة العالم انتبهوا

مصدر الخبر / قناة 218 الليبية

سالم العوكلي

قد يوافق الممثلون الأفذاذ في الأفلام الروائية على لعب أدوار الشر بإتقان يتحدون به طبائعهم، من باب استعراض قدرات التقمص الفنية، ومن باب أن الحكاية ستنتهي بعد ساعتين قد يمشي بعدها الممثل على السجاد الأحمر نحو جائزته الكبرى.

يحدث هذا في فضاء يشيده الخيال مثلما نروي حكايات الغولة للأطفال، أو مثلما نروي مغامرات الشيطان مع البشر منذ الأزل، غير أن دكتاتوريي التاريخ الذين جعلوا من الواقعية الفجة سحرا، يقعون في المنطقة نفسها من فعل المخيلة، وأغلبهم يحس أنه يلعب دورا فوق خشبة مسرح شاسع، يقابل الدم الرمزي الذي يسيل فوق الركح بتصفيق حاد من جمهور جاء كي يتطهر، وكي يعتقد أن الشر محاصر في هذه العلبة ورهن التحكم، أو كابوس يمكن الاستيقاظ منه في أية لحظة.

كثيرٌ من الدكتاتوريين لعبوا أدوارهم بإجادة في الحياة الواقعية، ورغم ما أحيطوا به من تبجيل وتصفيق وهتاف؛ إلا أنهم ساروا فوق دم ضحاياهم الأحمر بدل السجاد الأحمر، أغلبهم انتهى نهاية مأساوية وذهب دون أسف إلى المزبلة لأن الجمهور الذي شاهد العرض لم يراوده شك أن هذا الشر حقيقي وأنه يوميًا يستيقظ على وجعه، وأن الذين صفقوا أو هتفوا كانوا تحت ضغط الخوف، أو كانوا مصابين بالعدوى نفسها تحت إغراء الاندماج في اللعبة والخروج منها بمكاسب، فهم كومبارس، أو خلفية دعائية لصورة المستبد، وليسوا مشاهيرَ مثل الدكتاتور ليمشوا معه إلى المزبلة، بل من الوارد أن ينقلبوا عليه ويحضروا مأتمه كشهود على كل القذارات التي فعلها في العلن والسر.

قليلون يحملون المكانس لتنظيف ذمة الشيطان والحديث عنه كملاك مخذول، وهؤلاء انتقلت لهم عدوى الطغيان، وقرروا أن يرافقوا الدكتاتور إلى مزبلة التاريخ في موكب يغطيه الذباب، بكل ألوانه وأنواعه.

يتفق رواة السيرة البشرية أن للتاريخ صُنّاعه، وكأي رواية يختلط فيها الخيال بالحقائق، لها شخوصها المنقسمون بين ثنائية الصراع الأزلية، الخير والشر، وما انسلخ عنها من ثنائيات شكلت منذ البدء الطاقة السرية لمدونة الأخلاق التي لم يكف الجنس البشري عن تدبيجها وتعديلها وتنقيحها.

الدكتاتوريات التي شهدها تاريخ البشرية السياسي؛ ذهبت جميعها إلى مكب قمامة هذا الزحام البشري، أو كما يقال عادة، إلى مزبلة التاريخ، والدكتاتوريون ظلوا في الذاكرة أشخاصا أشرارا، تَذكُّرهم يثير القرف والاشمئزاز، مثلما نتذكر المجاعات والأوبئة الفتاكة وغيرها من الكوارث، فما الذي يجعل شخصًا يملك مقومات أن يكون شخصية محورية في رواية من روايات التاريخ، أو مُعَدَّا للمساهمة في صناعة التاريخ، يذهب بإرادته إلى هذه المزبلة، ولا تتذكره الأجيال سوى ككابوس انقضى أو كعبرة؟.

انقسم الربيع العربي بين حشود ثملة بفكرة التمرد وطرق باب الحرية، وحشود سُلَّطت على الحشود الأولى ساخرة من أحلامها ومُخوِّنة لغريزتها العاشقة لفكرة التمرد التي بدأ بها الإنسان شقاءه ومرحه فوق هذه الأرض الوعرة، حشود تتسكع بين لوحات بيكاسو الخالدة وتقرأ أجمل القصائد التي كُتبت في مانديلا الذي احتفل الكون بيوم ميلاده، وحشود تكتفي بحمل صورة المستبد والبحث في القمامة عن بقاياه، بينما قوى الظلام داخل وخارج الحدود تجهز عدتها كي تطفئ الضوء البازغ من تلك العيون المتطلعة بشغف إلى الخلاص، وكي تجعل مآل هذه المغامرة الإخفاق وعودة الظلام بأشكال أخرى، ولوهلة اعتقدت أن تمائمها أو سحرها الأسود نجح في أن يجعل فكرة التحرر نحسا يصيب الجميع، غير أن التوق يستمر رغم كل ما حاق بهذه الظاهرة الثورية التي قلبت موازين المنطقة، ومازالت القوى الظلامية تعتقد أنها نجحت في تلويث هذا الربيع بسمومها، وآوت إلى مخادعها الوثيرة متربصة بكل حلم جديد وهو في مهده، وفكرة أن تحمي القطيع وتطعمه كي تضمن شرعية الطغيان لم تعد صالحة في عالم تحول فيه كل مواطن إلى مستكشف ومستطلع وصحفي يحمل الكاميرا في جيبه، ويدلي كل يوم برأيه فيما يحدث عبر وسائط تجاوزت منظومة النظم البالية من كل أنواع شرطة التحكم والمراقبة.

من أجل أن يستمر الوجود فوق الكوكب تتعاقب فصول السنة، ومن أجل أن تستمر الحياة تتعاقب فصول تاريخ الشعوب، وبعد أن مر الصيف والخريف والشتاء؛ يعود الربيع العربي الذي اعتقد البعض أنه وُئِد إلى الأبد ليزهر في ميادين أخرى، ويظل شبحا يهدد النظم الناجية وهي تحاول صناعة ربيعها الفوقي الخاص عبر مداهنة شعوبها وتملقهم ببعض الإصلاحات، لكن العاقبة عند مشاريع طغاة صغار مازالوا واثقين بأنهم أداروا عقارب الساعة إلى الخلف، ويهيؤون أنفسهم لإعادة بعث رميم النظم التي سقطت، بينما هذه الأجيال تستنشق يوميا رحيق الثورة الرقمية التي جعلت من النظم التقليدية أضحوكة ولعبة في هذا الفضاء الجديد المشيّد من الضوء، نتواصل فيه بالضوء ونكتب فيه على الضوء، لذلك لن يكون فيه للظلام مكان، والمسألة مسألة وقت فقط ومرهونة بنهاية بيولوجية لمن ولدوا قبل عالم يديره الضوء، ومازالوا يتحكمون في بعض تقنيات الظلام التي أكل عليها الزمن وشرب حتى الثمالة.

يا طغاة العالم؛ انتبهوا فالشعوب لم تعد قطعانًا تطعمونها وتسوقونها إلى المسالخ.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من قناة 218 الليبية

عن مصدر الخبر

قناة 218 الليبية