اخبار ليبيا الان

وديعة «المسارات اليتيمة» تطوي صفحة المبعوث الأممي السادس

بوابة الوسط
مصدر الخبر / بوابة الوسط

مضت مهمة المبعوث الأممي السادس، غسان سلامة، على نحو بالغ الصعوبة، قضاها في سباحة طويلة ببحر رمال الحرب الأهلية والاستقطاب الدولي والانقسام المؤسسي والفساد الاقتصادي، وأنهاها الدبلوماسي اللبناني المخضرم (في 2 من مارس) قبل أن تتم عامها الثالث، تاركاً مساراته الثلاثة يتيمةـ ليصبح مصيرها في حكم المجهول، وربما في يد من سيخلفه، وهدنة هشة على تخوم العاصمة طرابلس، مسجلاً سابقة بأنه أول مبعوث يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة إعفاءه من مهمته.طوى سلامة صفحته في الملف الليبي على نحو مفاجئ، بعد جولات تفاوضية ماراثونية في الداخل، وتحركات مكوكية بين العالم شرقاً وغرباً؛ بحثاً عن حل لأزمة دامت نحو 9 أعوام، وكان القرار هو الاستقالة الطوعية، أو ما سماه بلغة دبلوماسية «طلب الإعفاء»، بعد أن بدأها منذ عامين ونصف العام بمبادرة حل ثلاثية وأنهاها بمسارات حل ثلاثة أيضاً، وما بينهما كانت البعثة الأممية شريكاً رئيسياً في ثلاثة مؤتمرات دولية تبحث حل الأزمة.

لمطالعة العدد 224 من جريدة «الوسط» انقر هنا

منذ بدايات المهمة كانت الصعوبات في الانتظار، ففي صيف العام 2017، وتحديداً في شهر يونيو، عاد الحل الأممي إلى ليبيا بأيادٍ لبنانية، وكانت كلمة السر هي الدبلوماسي غسان سلامة، الذي جاء ليكمل مهمة سابقيه الخمسة، استناداً إلى «خبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في المجال الأكاديمي والخدمة العامة»، وفق بيان الأمم المتحدة، وتحديداً لدوره كمبعوث أممي في العراق بعد الاحتلال الأميركي، فهو صاحب فكرة إنشاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وعرف بتوجيه انتقادات شديدة للأميركيين، خاصة لـ «بول بريمر» الحاكم الأميركي للعراق بعد 2003.

ومع تسلمه مهامه على رأس البعثة الأممية في منتصف العام 2017، واجهت مهمة سلامة مطبات ومنحدرات بالغة الصعوبة، فالأكاديمي اللبناني والوزير السابق اصطدم بصخرة الانقسام منذ اللحظة الأولى لتوليه منصبه، رغم التقدم المحدود في الحوار بين الأطراف السياسية، وانعكس ذلك بوضوح في أول إحاطة له أمام مجلس الأمن بعد شهرين من توليه منصبه (أغسطس العام 2017)، التي تحدث فيها عن ضرورة «إيجاد حل سياسي للأزمة بدلاً عن العسكري، ودعمه بإجراءات ملموسة»، بل وتطرق أيضاً إلى ملف الفساد الاقتصادي بالقول إن «الانطباع بوجود اقتصاد سياسي متجذر قائم على السلب أضحى أمراً ملموساً، كما لو كانت البلاد تغذي أزمتها بمواردها ذاتها وذلك لصالح القلة وخيبة أمل الكثيرين».

وفي خطوة استهدفت تحريك المياه الراكدة في الأزمة الليبية، وفي 20 من سبتمبر العام 2017، أطلق سلامة مبادرة من ثلاث نقاط تتضمن تعديل الاتفاق السياسي الليبي، وإصدار تشريع لإجراء استفتاء دستوري وانتخابات برلمانية ورئاسية، وتنظيم مؤتمر وطني تحت رعاية الأمين العام، ثم إجراء استفتاء للاعتماد الدستوري، وانتخاب رئيس جمهوية وبرلمان خلال عام، لكن هذه الخطة لم تسلم من الجدل والمناقشات والانتقادات من مختلف الأطراف، وبدت محاولات واضحة لإدخالها في دهاليز التفاصيل الفنية، وتفريغها من محتواها، وسط انتقادات بدأت تطول شخص سلامة.

لمطالعة العدد 224 من جريدة «الوسط» انقر هنا

واستمر المبعوث الأممي السابق في الدفع على المسار السياسي لحل الأزمة، وسط معوقات قضائية داخلية عرقلت محاولات تنفيذ المرحلة الأولى من خطته، ليبدأ في الدعوة إلى ملتقى وطني جامع لكافة الأطراف الليبية في الداخل، بالموازاة مع إدراك مبكر لحجم الاستقطاب الدولي في هذا الملف، لينخرط أيضاً في التحضيرات لمؤتمر دولي حول الأزمة الليبية، وكانت المحطة الجديدة هي باريس.

وفي التاسع والعشرين من مايو العام 2018، شارك المبعوث الأممي السابق في مؤتمر باريس، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبحضور رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، والقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري، حيث أقر المشاركون خارطة طريق تؤسس توجهاً نحو الخروج من الأزمة، تضمنت عقد الانتخابات في 10 ديسمبر 2018، والتزام الأطراف بوضع الأسس الدستورية للانتخابات بحلول 16 سبتمبر 2018، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في موعدها، وتشكيل قوات مسلحة وأمنية موحدة تحت إشراف أممي.

وعقب مؤتمر باريس، تمسك سلامة بخيط التفاؤل تأسيساً على النتائج التي توصل إليها المؤتمر، التي بدت في نظر دبلوماسيين ومراقبين بداية حل الأزمة، وفي هذا السياق اعتبر سلامة «هذه القمة تاريخية بكل المقاييس»، لكن لم تمضِ سوى ساعات قليلة على توقيع إعلان باريس، وما أبداه المبعوث الأممي من ارتياح، حتى ظهرت تخوفات وتساؤلات كثيرة حول كيفية تنفيذ الجدول الزمني لإجراء انتخابات قبيل نهاية العام 2018، بما يعني أن المبادرة ماتت قبل أن تولد، وهو ما حدث بالفعل!

وفي ظل الانقسامات الداخلية الحادة، والاستقطاب الدولي الواسع، تبخرت كل التعهدات التي أطلقها الفرقاء في مؤتمر باريس، ليعود سلامة مجدداً في النصف الثاني من العام 2018 إلى مبادرته الثلاثية، خصوصاً الملتقى الوطني الجامع، من خلال لقاءات أجرتها البعثة الأممية في مختلف البلديات الليبية، لاستطلاع رأي المجتمع بشأن أولويات الملتقى، وفي هذا السياق كان سلامة يراهن على أن يكون هذا الملتقى «سبيل الليبيين لاتخاذ قرار بشأن تحديد موعد الانتخابات وإطار العمل الدستوري وآلية لحسن توزيع الموارد ومواضيع أخرى»، بل وتعهد برفع التوصيات الصادرة عنه «لمجلس الأمن في الأمم المتحدة، الذي بدوره سيضغط من أجل تنفيذها».

لمطالعة العدد 224 من جريدة «الوسط» انقر هنا

في هذه الأثناء، كان سباق النفوذ يتصاعد بين فرنسا وإيطاليا على الملف الليبي، خصوصاً في ملفات السياسة والاقتصاد والهجرة غير الشرعية، لتتبنى روما عقد مؤتمر دولي آخر لحل الأزمة الليبية، ولكن هذه المرة في مدينة باليرمو الإيطالية، وهو المؤتمر الذي انعقد في 13 نوفمبر 2018 دون تعهدات ملزمة، واكتفى الفرقاء الفرقاء الليبيون بتأكيد ضرورة تحمل المؤسسات الشرعية مسؤولياتها من أجل إجراء انتخابات نزيهة وعادلة في أقرب وقت ممكن. وبعد أيام من المؤتمر، وبينما كان سلامة يعد الطاولة للملتقى الجامع، فاجأ المبعوث الأممي المجتمع الدولي بتصريح مثير للجدل قال فيه: «أعتقد أن كل ليبي يدرك الآن أنه لا يوجد طريق ثالث.. إما أن تتحرك العملية السياسية للأمام أو تندلع اشتباكات جديدة في أي وقت».

ولم تمضِ أشهر على نبوءة سلامة حتى تحققت، إذ لم تمهل نيران الحرب تصريحاته أو ملتقاه الوطني (الذي اقترحه في مدينة غدامس بين 14 و16 أبريل 2018)، وكان يوم الرابع من أبريل من العام 2019 موعداً مع بدء اشتباكات التخوم الجنوبية للعاصمة طرابلس، عقب إعلان قوات القيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر حملة عسكرية على العاصمة لتحريرها، مما وصفها بـ«المجموعات الإرهابية»، لتتبدد طموحات المبعوث الأممي ويبدأ مجددداً مما دون نقطة الصفر.

سلامة، وفي الرابع عشر من أبريل عبر عن أسفه لعدم عقد الملتقى الوطني في غدامس، وسط تعقد الجهود الأممية لحل الأزمة في البلاد، معلناً تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الاشتباكات الجارية جنوب العاصمة، وقال في لهجة لا تخلو من الأسى: «كان اليوم يوم ملتقاكم في غدامس تخطون فيه معاً معالم سبيل نحو دولة موحدة، قادرة، منصفة، مدنية، ديمقراطية»، مضيفاً: «الرياح راحت في مناحٍ أخرى لم تكن السفن تشتهيها، ولطخ الدم المسيرة». وأضاف: «موقفنا لن يتبدل، فإنما الحرب ما علمتم وذقتم ولا حل، مهما اشتد العناد، إلا سياسياً».

ورغم تصاعد الوضع بين أطراف الاشتباك، قادت البعثة الأممية بعد اندلاع حرب العاصمة جهوداً للحل، لكنها لم تفضِ إلى نتائج ملموسة، في ظل تمسك الأطراف بمواقفها من الحرب، وحدة الاستقطاب الدولي الحادث، شهد شهر أغسطس من العام 2019 تصعيداً نسبياً في الحرب الدائرة على تخوم طرابلس، وظهرت مبادرات دبلوماسية لوقف الحرب، أبرزها دعوة مجموعة الدول السبع إلى الاتفاق على هدنة يعقبها عقد مؤتمرين، الأول محلي والثاني دولي، وفق بيان صادر في ختام أعمال المجموعة في بياريس الفرنسية.

لمطالعة العدد 224 من جريدة «الوسط» انقر هنا

وقتها، تحدثت مصادر دبلوماسية غربية عن اقتراح بمؤتمر مصالحة ليبي- ليبي يصحح النسخة التي خطط لها المبعوث الأممي غسان سلامة قبل اندلاع الحرب والمعروفة بـ«المؤتمر الوطني الجامع»، التي أجهضتها حرب العاصمة طرابلس، لكن المصادر تحدثت عن متغير جديد في رؤية المجتمع الدولي للخطوة الجديدة، إذ «سيحظى بمشاركة قادة التشكيلات المسلحة في مصراتة والزنتان».
وبعد مساعٍ دبلوماسية طويلة كشفت تصادم الإرادات الداخلية والدولية، بدأ دعم سلامة يتجه نحو مؤتمر برلين، الذي استمرت تحضيراته 6 أشهر، تعهد قادة الدول المشاركة في مؤتمر برلين، في 19 يناير الماضي، بعدم التدخل في الصراع الدائر في ليبيا، ودعم حظر تصدير الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، ولم يكد يمر شهر على هذا المؤتمر، وفي 12 فبراير الماضي صدر قرار مجلس الأمن رقم 2510 بشأن وقف إطلاق النار غير المشروط ضمن مقررات مؤتمر برلين، التي تبناها المجلس في قراره.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن، بقيت التساؤلات حول الآليات المرتقبة لتطبيق هذا القرار، والترتيبات التي تجعله ملزماً لجميع الأطراف، لكن سلامة اعتبر هذا القرار «رسالة قوية لأهمية مسار برلين للحل»، موضحاً أن مؤتمر برلين «كان مهماً في مسار طويل»، وخلال الشهر الماضي وحتى انتهاء مهمته بدأ بالمضي قدماً على جمع الفرقاء في حوار على مسارات سياسية وعسكرية واقتصادية في جنيف والقاهرة، وهو ما لم يحقق تقدماً يذكر حتى الآن.

لمطالعة العدد 224 من جريدة «الوسط» انقر هنا

وحتى إعلان استقالته في مطلع مارس الحالي، لم تتوقف التدخلات الخارجية من روسيا أو تركيا أو دول الجوار، وخلال تلك الفترة ألقى سلامة 17 إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي وأكثر من كلمة حول ليبيا أمام المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، وخلال حضوره مؤتمرات دولية مثل مؤتمر ميونيخ للأمن والمناخ، وفي الجلسات المغلقة لمجلس الأمن الدولي عبر المبعوث الأممي عن قلقه من التدخلات الدولية وتهاون المجتمع الدولي في اتخاذ إجراءات صارمة.

«كذب .. ووقاحة»، بهاتين الكلمتين اختتم تصريحاته مدافعاً عن نفسه في مؤتمر صحفي في جنيف الجمعة، رداً على الانتقادات الموجهة للبعثة الأممية والحديث عن تدخلاتها في اختيارات حضور جلسة مفاوضات المسار السياسي التي عقدت في جنيف، لينهي مهمته بعد أن طفح الكيل فيما يبدو، وظهر واضحاً أن لسانه بدأ يتحرر من عقال الدبلوماسية، ليقرر على نحو طوعي – بعدها – طي صفحة مهمته، تاركاً أزمة عميقة بثلاثة مسارات وهدنة هشة، وأسئلة صعبة تنتظر الخليفة الأممي الجديد.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

بوابة الوسط

بوابة الوسط

أضف تعليقـك