ليبيا الان

حوار مع العقيد خارج خيمته (الحوار 12 الجزء الأول)

اليوم الثالث

” بادروا بتعليم أولادكم كتب الإخوان وحزب التحرير والتكفير.. واطبعوها وأعيدوا طباعتها واعتكفوا إلى يوم القيامة في المساجد والمنازل لدراسة هذه الكتب.. وهي واضحة من عناوينها المفيدة.. حكم الدين في اللحية والتدخين!!! وفقه أهل السنة في استعمال الشامبو والحنة!! والكناش في دخول الجنة بلاش! و حكمة الأكل بثلاث (صوابع..) والأكل وأنت متكئ.. وحكمة الأكل في قصعة العود.. أو قصعة الحديد.. ولكن لا تنسوا الدعاء الذي سبق ذكره وهو خاص بالجانب العسكري في الفقه الإسلامي الحزبي الإخواني الديمقراطى، ويتعلق بالاستراتيجية المضادة مع الدعاء الخاص بالاقتصاد فهو بسيط ويكفي أن تردده مائة مرة فقط في الثانية“.

دعاء الجمعة الآخرة

للكاتب معمر القذافي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحلولك الظلام واشتدت العتمة حتى أطبقت على الإرجاء كلها.. عتمة تضفي على سكون الصحراء شيئا من تجليات انبعاث أحاديث الأرواح ونقاء السرائر.. وأحاديث البوح، حيث تختفي الحواجز، وتطلق الأرواح لأنفسها عنان المناجاة.. ومكاشفة الذوات.. 

هو ليل الصحراء الذي صارت تعتاده نفسي رويداً رويداً

واصلت المسير الهوينى بمعيّة العقيد، الرجل الذي لا يكل ولا يمل، مسيراً وسط هضاب من الرمال، لازالت تحتفظ بشيء من وهج النهار.. 

هذا الوهج الذي أضفى على برودة الليل شيئاً من الدفء.. 

أخذ العقيد منحٍ  نحو بعض الكثبان الرملية التي بدأت وسط العتمة وكأنها كثيباً مهيلاً، حتى أشفقت عليه.. 

ومع أنني لم أبديء له تلك الشفقة، لكنني حاولت ثنيه عن التوغل في بحر الرمال “المتهايل”، فقلت له لابد وأنك قد سمعت يا سيدي بالرمال المتحركة وخطورتها فلربما فتكت ببعض الناس في صحراء ألاسكا وفِي خليج موركامب وحتى صحاري الربع الخالي!

توقف العقيد فجأة مبدئياً استغرابه من تخوفي،  ثم قال: ومن قال لك أن الرمال تتحرك، وكيف تتهم الصحراء بالغدر مثل الناس وخلجان الإنجليز؟

قلت له متلعثماً، وهل الرمال ساكنة يا سيدي؟ وكيف تكون كذلك وهي تنتقل عبر الرياح والعواصف سيما عندما تعلن الصحراء عن غضبها؟

ضحك العقيد بسخرية عندما ذكرت أمامه “غضب الصحراء”، ثم استطرد قائلاً إن الصحراء لا تعرف مشاعر الغضب.. الصحراء لا تعرف إلا الحب المطلق! والرمال كما قلت لك هي ساكنة لا تتحرك.. ساكنة بطبيعتها التي جبلت عليها، فهي تغفو في أحضان الصحراء، وكأنها تستمع إلى صوت رقرقة الماء في جوف الصحراء

قلت له، ولكنني قرأت أنّ..  أقصد أنّ.. أعلم أنّ.. أنّ.. ثم أكملت الجملة مجهداً فقلت، أعلم أن الرمال تتحرك.. 

استوقفني قائلا أن الوعث ليس هو رمال الصحراء.. قلت في نفسي بصوت خافتٍ ومرتبكٍ: الوعث

قال لي العقيد هذا ما أرادوا لكم علمه ولكن، لا عليكم إن الجهل سينتهي عندما يقدم كل شَيْءٍ على حقيقته!  

التزمت الصمت وتذكرت ذات مرة أن العقيد قد طرح سؤالا، إثناء لقاءاته بالجامعات، في مدرج 7 أبريل العملاق، بجامعة قاريونس،  قد طرح سؤالا عن موقع أعمدة هرقل، وكان يومها بصدد الحديث عن الغزو الأمريكي للعراق.. فلم يستطع أحد الإجابة بِمَا في ذلك طاقم الأساتذة من جهابذة التاريخ والجغرافيا وغيرهم!

قلت له وقد تصنعت بعض الإلمام كما يفعل أشباه المتعلمين من أولئك الذين حمًلوا الشهادات العالية وبعض الأسفار ثم لم يحملوها، قلت له لقد قرأت  يا سيدي رواية تدور أحداثها حول “كلمات على رمال متحركة” تتحدث عن دولة من السراب!

وهناك عاصفة الصحراء التي قتل فيها “بوش الأول” أكثر من مليون عراقي مسلم بفتاوىٍ خليجية! وهناك عاصفة “الحزم” التي أحرقت اليمن عن بكرة ابيه..كما احترق الشام وتدمرت ليبيا واحترقت!

كل هذا، يا سيدي، نسب للصحراء ولبعض الرمال المتحركة وحتى لشرع الله!

حتى أنت يا سيدي طالك تكفيرهم ولَم يستطع أحد منًا أن يرد عليهم.. لا في فريات تحريف القرآن  الكريم، ولا في أراجيف استهداف المقدسات، ولا حتى في إكذوبة رسول الصحراء، والعلاقة مع النبي الكريم!

قد شغلنا أنفسنا بفقه العقيدة في أكل العصيدة.. والرأي الغالب للطحالب بين موالاة الرجمة وبوستة.

يا سيدي، أن أمثلنا طريقة قد اكتفى بترديد قولتك أنت، “كم هي رخيصة تلك الدعاية المغرضة التي تقوم بها دوائر الاستخبارات الغربية وعبيدها من خليج البترودولار“.

قال لي العقيد، وكأنه لم يكن يستمع إلى كلامي، إن رمال الصحراء ساكنة لا تتحرك، ولا تهزها الرياح العاتية، فلا تقلق!  

أما أنا، معمر القذافي، فإن كُفْرِّت فقد كُفْرِّ إخوة لي من قبل! لا لشيء إلا أنهم رشقوا “العم سام” ببعض الصواريخ، وناصبوا الإمبريالية والصهيونية العداء، وتمسكوا باللاءات الثلاث

آما علمت كيف كُفِر جمال عبدالناصر وكيف زعموا أن كفره كان بإجماع الأمة، التي نذر عبدالناصر نفسه لها،  كفروه خدمة لمشروع تهويد القدس؟.

أما علمت ما قال فيه حزب الإخوان؟ وبما وصفه سيد قطب زادا الهندي؟

كل ذلك كان لإجل إرضاء الصهيونية والماسونية العالمية.. 

آما سمعت أيضا فتواهم بأن صدام حسين حاكم العراق كافراً وإن صلىً وصام ونطق بالشهادتين.. لا لشيء إلا لأنه أحرج مجلس التهاون الخليجي أمام المجندات الميركانيات في أرضٍ غير بعيد عن قبر النبي الكريم في المدينة المنورة، التي كانت يومها تحت أزيز طائرات الأواكس الأمريكية

فهل سيعوزهم “دليلهم الكافي” على تكفير القذافي، العدو الأول لإعداء الإسلام وصاحب اللاءات كلها.. القائد المسلم الوحيد الذي أحال أمّم وشعوب وممالك ورؤساء دول وقساوسة وكهنة من الوثنية والنصرانية إلى ديانة التوحيد.. 

كيف لا يكفرونني وأنا الوحيد الذي لم يحجً يوماً إلى “البيت الأبيض”، ولَم يشارك قط في دسائس بيع قضايا الأمة وكنت فاضحهم في كل المناسبات

كم كانت تغيضهم تلك الصلوات الجامعة التي سحلت الفرانكونية في أفريقيا كما أزاحت عنها براثن الإنجلوسكسونية ونفوذ الصهاينة في بحيرة تشاد والبحيرات العظمي وفيكتوريا، إلى كيب تاون والرأس الأخضر .. 

كيف لا يكفرونني وقد تحولت علي يدي الكاتدرائيات إلى مساجد يذكر فيها اسم الله بعدما سقطت عن أسقفها الصلبان!

كيف لا يكفرونني وأنا من فرض لغة القرآن كلغة أممية في المحافل الدولية!

كيف لا يكفرونني وأنا من جعل القرآن شريعة للمجتمع بل جعل له مقاماً علياً وجعل لنبيه تعظيما وتشريفاً حتى وصل لدور السينما العالمية فكانت “الرسالة” الأبلغ

كيف لا يكفرونني وأنا الوحيد الذي جعل شعاع الإسلام يبهر القارات الست

سكت العقيد برهة ثم قال هل تعلم أنني لم أرد يوماً على عمائم الظلام ولطالما أعرضت عنهم ولَم أجادلهم وقلت لعل أعمالي تقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً.

قلت له بخجل وبعض الجهل ولكن كيف نرد عليهم يا سيدي العقيد!؟ .

ضحك العقيد طويلاً ثم قال متهكما يا “أبني”   كأني بك جليسهم

ارتبكت وخفق قلبي توجساً وهلعاً، وتساءلت في نفسي كيف عرف العقيد بإنني لطالما كنت جليسهم، حتى تم تكريمي ذات يوم من قبل مؤسسة الحرمين الخيرية، التي أوقفت المخابرات الأميركية نشاطها لاحقاً!

ثم سألني، ولازلت مذهولاً، هل تعلم “يا خميس” معنى أن تكون صاحب رسالة؟!

صعقت وأقشعر بدني من قولته ” معنى أن تكون صاحب الرسالة”، وتذكرت كيف أرتدينا نحن جميعا عّن رسالة العقيد وكيف كانت معاناة العقيد الحقيقة  كمعاناة المسيح يوم اعتقاله من قبل “كهنة السنهدرين” في جمعة الأحزان كما صورتها تراجيدا الاناجيل رغم تحريف الكلم عّن مواضعه

تذكرت الآم العقيد عندما كان يفرً منًا برسالته، تارة إلى “جهنم” واُخرى إلى “الموت” ليوهب لنا بعض الحياة

صمت العقيد ولَم يعقب ولازمته الصمت طويلا.. 

استمر العقيد يمشي صامتاً وسط هدوء الليل وسكونه المطلق، حتى وصلنا إلى تبة رملية.. فالتفت إليً مبتسماً ليغرس في نفسي طمأنينة كنت ألهث بحثاً عنها.. ثم جلس مفترشاً كوم من الرمل، ودعاني للجلوس قبالته، ككل مرة.. وكم كانت تستأنس نفسي لهكذا خلوة.. وكم تتهلل أساريري لجلسة في جوف الليل قبالة العقيد.. 

ولازالت السماء ملبثة ببعض الغيوم التي حجبت نجوم تلك الليلة التي يشارف الشهر فيها على الانقضاء، فلا قمر يطل ولا نجوم تتلألأ

جلست قبالته صامتاً يترقبني شيئا من الهلع رغم مساحة الأمان التي تهبها تلك الرفقة.. واستمر العقيد في صمته فلَم أشأ كسر جدار الصمت.. 

جالت بي ذاكرتي إلى تلك “الهائشة” التي حدث عنها عمي “غيث الزناتي”، العقيد ذات مرة.. ومع كل لهفتي وتوجسي أرتأيت ألا أسأله، فالرجل قد ضغط يومها بإصبعه على عينيه، وكأني به قد استحضر شيئا من الوجع، وهو يذكر  ذلك المشهد ويذكر الحضور من حراس الخيمة وبعض رجالها، الذين جنح منهم من جنح ونال شرف الشهادة من نال..

وفجأة انتبه العقيد بنظرته الحادة إلى أفعى كانت نحونا تسعى، فجذبني نحوه بقوة وقال لا تخف كدت أن تلدغ!

قلت له دون تردد “فيَّ ولا فيك“! 

ضحك العقيد ملياً وهو يضغط “بعودٍ” على رأس تلك الحيًة، ثم سألني إن كنت قد جربت اللدغ من قبل

قلت له، أما لدغ العقارب فنعم.. 

ثم تجاسرت ضاحكاً وقلت له وأنت يا سيدي، أجربت لدغ العقارب وحتى الأفاعي؟

قال لي العقيد، إن جدتي لأمي “الحاجة مسعودة بنت حسن القحصي”، قامت بتلقيحي بخلطة تحصينية عندما كنت في المهد طفلا وكانت تلك الخلطة عبارة عن “لحوس” من عقارب صغيرة تقلى في زيت زيتون وتعطى للأطفال كمصلٍ.. وهذا ما كانت تفعله نسوة البادية في ذلك الزمان

نظرت في وجهه الذي أزداد نوراً وسط العتمة الحالكة، وقلت في نفسي يالنقاء العقيد وبساطته،، بالامس حدثني عن جدته لأبيه “مبروكة بنت الفارس” واليوم ها هو يحدثني عن جدته لامه “مسعودة بنت حسن” وكلهن بنات العم.. يا له من نسل شريف.. قلت في نفسي ولازلت مشدوها بالنظر في وجه العقيد النوراني، تباً وبعدا لأولئك الأفاكين!

قلت له إذن أنت محصًن ضد اللدغ يا سيدي! ولهذا تنام في خيمتك في الصحراء دون خوف وقد أحاطت بك الهوائش كلها!

قال العقيد وقد قطب جبينه أن “الهوائش” لازمت خيمتي منذ أول انتصاب لها، ولطالما خرجت من تحت ستارها ولدغتني غدراً وغيلةً! ولكنني لم أصب يوماً منها باذيءٍ.. أتعرف لماذا؟ تسأل العقيد ثم أسترسل قائلاً لأن فعلها من فعل الخيانة.. وإن أسوأ الخيانات تلك التي كانت تخرج كالأفاعى من تحت ستار خيمتي، فينقلب سمها في فمها!

وجدتها فرصة لاستعادة حديث “الهائشة” التي ألقيت على حراس الخيمة فسألته عنها وعن علاقتها بمن ذكر  يومها من “رجال” الخيمة الذين افترقوا فيما بعد وذهب بعضهم إلى المجهول!

قال لي العقيد، عندما كنت طفلاً كنت أقرأ بنهم كل ما يقع أمامي من كتب.. فبعد أن ختمت بعض الأحزاب من القرآن الكريم في مسجد “بن شفيع في سرت” ارتأى والدي الرحيل إلى ودان حيث توجد بعض دور التحفيظ، مما سهل عليً جمع القرآن كله برواية قالون عن نافع وفِي مدة لم تتجاوز السنتين!

وكنت مهتماً أيضاً بالحركات الثورية العالمية، كالثورة الصينية لماو تسي تونغ والثورة البلشفية والثورة السنديانية وثورة كاسترو في كوبا، بالإضافة إلى مراحل نضال الثائر اللاتيني تجيفارا.. ثم سكت العقيد لبرهة وأضاف والثورة الناصرية بطبيعة الحال

استطرد العقيد قائلاً، كنت أرى في ذلك الزخم الثوري العالمي من حولنا نواة لمشروع ثورة عالمية تنطلق من هذه الأرض

كما أهتميت بدراسة التاريخ وكنت منتسباً بقسم التاريخ بجامعة قاريونس في السنة الثالثة عندما قمنا بالثورة في سنة 1969 ولكن الانشغال بالتحولات الثورية وتطهير البلاد من الدنس وقضايا الأمة حالت بيني وبين إكمال تلك المسيرة ولَم أتحصل على الشهادة الجامعية.. ثم نظر اليً بلطفٍ.. وقال مثلكم أنتم.. وسكت!

قلت له ولكن ماذا عن تلك “الهائشة” التي حدثك عنها الشيخ الحكيم! وما علاقتها بالحركات الثورية والخيانة التي كانت تتربص بالخيمة!؟

قال لي العقيد  أتذكر  عندما سألتني إن كانت الخيانة تقض مضجعي أم لا!؟

بلى يا سيدي! أجبته بإيجاز إذ أدركت أن الهائشة كانت كالخيانة ظاهرة طبيعية كما فصلها لي العقيد ذلك اليوم وهو يحدثني عن خيانة رفاق الحركات الثورية وخيانات ذوي القربى.. 

كما في ذلك الجمع الذي شهد يوم إلقاء “الهائشة”، فتولى بعضهم مذعوراً خائناً.. وعانق بعضهم الأخر صفحات التاريخ المضيئة فمات الحي وعاش الميت.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

بوابة افريقيا الاخبارية

بوابة افريقيا الاخبارية