ليبيا الان

المياه ضحية «الفوضى» في ليبيا.. ستة اعتداءات على النهر الصناعي خلال ثلاثة أشهر

مصدر الخبر / بوابة الوسط

ستة اعتداءات طالت منظومة النهر الصناعي، مصدر الشعب الليبي الرئيسي للمياه، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ما تسبب في قطع المياه عن عدد من المدن الليبية بمسارات منظومة الحساونةـ سهل الجفارة، حيث استهدفت تلك الاعتداءات، ومحاولات أخرى، مرافق النبية التحتية، للنهر التي يصل إجمالي ما استثمر فيها لنحو 35 مليار دولار.

والسؤال: ما هي هذه الاعتداءات التي تعرضت لها منظومة النهر الصناعي؟ وهل بات هذا المشروع الحيوي ضحية الفوضى وانعدام الأمن في ليبيا، وكيف يمكن توفير الحماية للمشروع ومرافقه المنتشرة على امتداد الأراضي الليبيية؟

الاعتداء على وصلات النهر
يتكون النهر من 1300 بئر، يبلغ عمق أغلبها 500 متر، وتمتد الأنابيب لمسافة أربعة آلاف كيلومتر من الجنوب الشرقي والغربي إلى الشمال لنقل 6.5 مليون متر مكعب من المياه يوميًّا إلى المدن الرئيسية الكبرى مثل مدن الزاوية وطرابلس وبنغازي وطبرق وسرت وأجدابيا.

وبات الاعتداء على مكوناته أمرًا مكررًا، حيث شهد شهر يونيو الماضي، اعتداءين، الأول في السابع من الشهر حين حاول مواطن تركيب وصلة غير شرعية بأحد غرف المراقبة على خط نقل المياه ترهونة- أبوزريان؛ ما تسبب في حدوث تسريب بكميات كبيرة للمياه.

والثاني في 12 يونيو، حين اعتدى مواطن آخر على إحدى غرف الصمامات بالخط أبوزريان- الرحيبات؛ ما تسبب في تسرب المياه واضطرار فرق الصيانة إلى غلق الصمام المغذي لمدن الجبل حتى الانتهاء من أعمال الصيانة.

241 بئرًا خارج الخدمة
وزادت الاعتداءات في شهر يوليو حتى وصلت إلى ثلاثة، حيث أعلن جهاز النهر الصناعي منظومة الحساونة- سهل الجفارة في 13 من نفس الشهر، خروج البئر «241» بالحقل الغربي من الخدمة «نهائيًّا» بعد اعتداء مجهولين عليها، وتخريب معداتها وأجهزتها الكهربائية وقطع الكوابل داخل غرفة التحكم بها. ورفع الإعلان حصيلة الآبار المعتدى عليها إلى 174 بئرًا، تمكنت فرق الصيانة من إعادة 29 منها إلى الخدمة، فيما خرج العدد الباقي من الخدمة نهائيًّا؛ بسبب حجم التخريب والتدمير الذي تعرضت له مكوناتها.

وفي 15 يوليو، أعلن الجهاز القبض على مجموعة من الخارجين على القانون؛ بتهمة سرقة المكونات المعدنية لعديد غرف الصمامات والتهوية الواقعة على الخط الناقل من خزان الطلحية إلى مدينة بنغازي.
وأفاد مركز شرطة سلوق بإحالة المتهمين إلى نيابة الجنوب «بوعطني» تحت محضر رقم «38/ 2021» جنحة.

واعتدى مجهولون على البئر رقم «079» بالحقل الجنوبي بالخط «C3» في 18 يوليو الماضي، التي تعد واحدة من أعلى الآبار إنتاجية، حيث وصل إنتاجها اليومي إلى أكثر من خمسة آلاف متر مكعب من المياه يوميًّا، وفق الجهاز. ودان الجهاز «عجز» و«الغياب التام» لكتيبة حماية المشروع المتواجدة بالحقول رغم الدعم الممنوح لها من قبل الجهاز، ونؤكد أن هذه الاعتداءات أصبحت تهدد بانهيار المنظومة بالكامل وانقطاع المياه على أغلب المدن والمشاريع الزراعية التي تعد مصدر إمدادها من مياه منظومة الحساونة – سهل الجفارة ما لم تتدخل الجهات المعنية لحماية حقول الآبار، وردع المخربين وبشكل عاجل.

تفجير المسار الشرقي
واستقبلت ليبيا شهر أغسطس بإعلان تعرض المسار الشرقي لمنظومة الحساونة- سهل الجفارة في أقصى الجنوب الغربي لتفجير ناتج عن عمل «تخريبي إرهابي» تسبب في حدوث دمار بمكونات خط الأنابيب عند المحطة رقم «353» الواقعة على بعد 75 كيلومترًا تقريبًا شمال منظقة الشويرف، وانقطاع المياه عن المنطقة الوسطى.

وأرجع مدير عام المنظومة، يونس الفرجاني التليسي، السبب في ذلك إلى انفجار عبوات ناسفة تسببت في أضرار في الخط المائي الشرقي، الذي يتجه من مدينة الشويرف إلى مصراتة. وحذر جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي من أن هذه الاعتداءات تهدد بقطع الإمداد المائي من حقل آبار الحساونة إلى العاصمة طرابلس، وكامل منطقة سهل الجفارة والجبل الغربي، علاوة على زيادة التأخير في استكمال أعمال الإصلاحات الطارئة.

اقتحام من أجل «المساومة»
وشهد الاعتداء على المنظمة نقلة نوعية في 14 أغسطس، حيث أعلن الجهاز إيقاف ضخ المياه على جميع المدن والقرى بمسارات منظومة الحساونة- سهل الجفارة، بعد اقتحام مجموعة مسلحة موقع محطة التحكم بتدفق المياه في الشويرف، ومحطة ضخ المياه في الحساونة. 
وذكر بيان صادر عن إدارة الجهاز أن مفاوضات جرت مع المجموعة المسلحة بعد الاقتحام في 11 أغسطس، وجرى التوصل لاتفاق بتأجيل توقف ضخ المياه 72 ساعة للتواصل مع الجهات المعنية بالدولة لتنفيذ طلبهم بإطلاق رئيس المخابرات بالنظام السابق، عبدالله السنوسي.

وأضاف البيان: «في 13 أغسطس طلبت المجموعة وقف ضخ المياه من منظومة الحساونة- سهل الجفارة لعدم استجابة الجهات المختصة لطلبهم، وفي حال عدم الاستجابة لطلبهم سيتم إيقاف الضخ بالقوة».

ونبه جهاز إدارة النهر الصناعي، إلى أن إغلاق المنظومة جاء «لضمان سلامة العاملين بها، على اعتبار أن الجهاز مؤسسة وطنية مدنية، تعمل جاهدة على تأمين أكثر من 70% من المدن الليبية، وللحفاظ على مكونات المنظومة من التخريب». وطالب متظاهرون في مدينة سبها، النائب العام والمجلس الرئاسي، بضرورة إطلاق رئيس الاستخبارات في النظام السابق عبدالله السنوسي؛ بسبب «تدهور حالته الصحية»، محذرين من التصعيد في حال عدم الاستجابة لمطالبهم.

وفي 21 من نفس الشهر أعلنت إدارة الجهاز انفراج أزمة إيقاف المياه وبدء التشغيل لحقول الآبار وضخ المياه، وذلك بعد استكمال الأعمال الإنشائية والميكانيكية بالمحطة «353» بالمسار الشرقي للمنظومة، ثم أُعلن وصول المياه إلى خزان موقع ترهونة وبدء التشغيل وضخ المياه حتى وصلت إلى مدينة طرابلس في اليوم التالي. 

وتفاعلًا من ذلك، رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في بيان، باستئناف ضخ المياه إلى طرابلس، مشيدة بجهود اللجنة العسكرية المشتركة وقبيلة «المقارحة»، التي أدت إلى إعادة فتح النهر الصناعي، وأكدت أنه «لا ينبغي تسييس الوصول إلى المياه وإمداداتها».

وفي 29 أغسطس، عثرت دورية للقوة المشتركة لحماية النهر الصناعي على عبوة ناسفة جاهزة للتفجير بإحدى غرف صمامات الهواء الواقعة جنوب الشويرف على المسار الناقل للمياه من حقل الحساونة. ودانت إدارة الجهاز استهداف المشروع وتهديد الأمن القومي المائي.

الاعتداءات مستمرة.. والنداءات أيضًا
وتستمر الاعتداءات رغم التحذيرات المتكررة من جهاز إدارة وتنفيذ مشروع النهر الصناعي، من أن استمرارها «يهدد الأمن المائي» للبلاد، وحضه على ضرورة تعاون مؤسسات الدولة المعنية كافة لتشكيل رأي عام يرفض هذه الممارسات، وتشديده على «دور المواطن في حماية حقوقه المائية من عبث المعتدين بالإبلاغ عنهم».

وباتت مناشدات الجهاز الجهات الأمنية والشرطية لتحمل مسؤوليتها في «حماية حقول الآبار للحفاظ على استمرار تدفق المياه للمدن ومناطق الاستهلاك واعتبار حماية حقول الآبار مصدر الإمداد المائي قضية أمن قومي للوطن»، لا تحمل جديدًا مع كل اعتداء.

ومع ذلك، وجه الجهاز نهاية أغسطس نداءً عاجلًا إلى جميع مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية لتحمل مسؤولياتها أمام الشعب الليبي في توفير الحماية لمشروع النهر الصناعي ومرافقه المنتشرة على امتداد الأراضي الليبية، وتوفير الدعم المادي بالإفراج عن مستحقات الجهاز التي يكفلها القانون لتمكينه من مجابهة التحديات الفنية حفاظًا على استمرار تدفق المياه وتحقيق الأمن المائي للدولة منعًا لتفاقم الأمور إلى حد توقف الإمداد المائي من المشروع نهائيًّا.

خطوات نحو بناء الأمن المائي
وحمل تقرير البنك الدولي الصادر في 23 أغسطس، تحذيرًا من احتمالية تسبب تغير المناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تفاقم مواطن الضعف، ونشوء التوترات والمنازعات على الموارد المائية،» ومن ثم يؤدي إلى «حلقة مفرغة من انعدام الأمن المائي والهشاشة»، وذلك في ضوء «الافتقار إلى نظم الحوكمة والإدارة الرشيدة».

والتقرير الذي نُشر تحت عنوان «بين المد والجزر»، توقع أن يعاني نحو 700 مليون شخص، التأثيرات الناجمة عن موجات الجفاف المتفاقمة بنهاية هذا القرن، وأكد الحاجة الماسة لاتخاذ خطوات لبناء الأمن المائي داخل المنطقة. 
ووفقًا للتقرير، فإن أزمة وشح الموارد المائية تشدد على ضرورة مواصلة البناء على التدخلات الإنسانية، وتحسين السياسات التي تدعم الأمن المائي على الأجل الطويل، والقدرة على الصمود في وجه الصدمات.

من جانبه، قال نائب رئيس البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فريد بلحاج، إن الحصول على المياه يمثل «معاناة يومية لملايين الناس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تعد أكثر مناطق العالم معاناة من شح المياه، لاسيما الفئات الأكثر احتياجًا».

وأوضح أن المنطقة تواجه «أشد الخسائر الاقتصادية المتوقعة من جراء شح المياه المتصل بالمناخ، التي تٌقدَّر بنحو 6-14% من إجمالي الناتج المحلي بحلول العام 2050»، ودعا إلى ضمان أن تكون المياه جزءًا من المناقشات والخطط الأوسع نطاقًا للسياسات الإنسانية والإنمائية بهدف «تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وإعادة بناء سبل كسب العيش، وبناء مستقبل أخضر مراعٍ للبيئة وقادر على الصمود وشامل للجميع».

ويشير التقرير إلى أنه سيتعين على واضعي السياسات إجراء مفاضلات بين التدابير قصيرة الأجل غير المنسقة، والتدابير طويلة الأجل لمعالجة القضايا الهيكلية المرتبطة بالمياه، لافتًا إلى أن التسليم بهذه المفاضلات وحُسن إدارتها سيساعد على ضمان ألا تؤدي مخاطر المياه إلى تقويض التقدم المحرز نحو تحقيق تعافٍ مستدام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

بوابة الوسط