ليبيا الان

تديره الميليشيات بشكل وحشي.. الكشف عن أسرار ما حصل في مركز احتجاز المهاجرين في غوط الشعال

ليبيا – سلط تقرير ميداني موسع نشرته مجلة “ذا نيو يوركر” الأميركية الضوء على السجون السرية للمهاجرين غير الشرعيين ممن لا يتمكنون من الوصول لأوروبا.

التقرير الذي تابعته وترجمته صحيفة المرصد أشار إلى تأسيس نظام هجرة غير شرعية في الظل يعمل من خلال قيام خفر السواحل الليبيين بالتقاط المهاجرين غير الشرعيين قبل وصولهم إلى أوروبا ومن ثم إرسالهم إلى سجون تحمل مسمى “مراكز الاحتجاز” تديرها الميليشيات بشكل وحشي.

وتطرق التقرير لمركز احتجاز “غوط الشعال” الذي يمثل مجموعة من المستودعات المؤقتة على طول الطريق السريع في حي متهالك يضم محلات تصليح السيارات وساحات الخردة في العاصمة طرابلس، مؤكدًا إن الموقع كان مستودعًا لتخزين الأسمنت وقد أعيد افتتاحه في يناير الماضي.

وتابع التقرير إن جدران الموقع الخارجية تم رفعها وتغطيتها بالأسلاك الشائكة في وقت يتواجد فيه رجال يرتدون زيًا مموها باللونين الأسود والأزرق متسلحين ببنادق كلاشينكوف واقفين للحراسة حول حاوية شحن زرقاء تمر إلى مكتب فيما كتبت عبارة “مديرية مكافحة الهجرة غير الشرعية” على لافتة في البوابة.

أليو كاندي

وأضاف التقرير إن الاسم الذي يعرف به المكان هو “المباني” الذي يمثل سجنًا سريًا للمهاجرين غير الشرعيين ناقلا تجربة مهاجر غير شرعي من غينيا بيساو قوي وخجول ويبلغ من العمر 28 عامًا ويدعى “أليو كاندي” وصل إلى السجن فجر الـ5 من فبراير الماضي.

وبين التقرير إن “كاندي” تم اعتراضه من قبل خفر السواحل الليبيين في البحر الأبيض المتوسط أثناء محاولته عبوره ​​على متن قارب مطاطي مع أكثر من 100 مهاجر غير شرعي ليتم اقتيادهم إلى “المباني” ودفعهم داخل الزنزانة رقم 4 حيث تم احتجاز 200 آخرين.

ووفقا للتجربة لم يكن هناك أي مكان للجلوس وسط سحق الأجساد وانزلاق أولئك الموجودون على الأرض لتجنب سحقهم فيما كانت المصابيح العلوية فلورية وظلت مضاءة طوال الليل في وقت كان يوجد فيه شبكة صغيرة في الباب بعرض قدم واحد تمثل المصدر الوحيد للضوء الطبيعي.

صورة من داخل مبيت مركز الاحتجاز

وتعشش الطيور في العوارض الخشبية ويتساقط ريشها وفضلاتها من فوق فيما كتب المهاجرون غير الشرعيون على الجدران ملاحظات عن حالهم منها “الجندي لا يتراجع أبدا” و”بأعيننا مغمضة نتقدم” في وقت جلس فيه “كاندي” بصعوبة في زاوية بعيدة مذعورا موجها سؤاله لرفيق له:” ماذا علينا ان نفعل؟”

ولم يعلم أحد في العالم خارج أسوار “المباني” أنه تم القبض على “كاندي” إذ لم يتم اتهامه بارتكاب جريمة ولم يسمح له بالتحدث إلى محام ولم يعط أي مؤشر على طول مدة احتجازه وفي أيامه الأولى هناك احتفظ بنفسه في الغالب خاضعا لروتين المكان القاتم.

ويخضع السجن لسيطرة ميليشيا تسمي نفسها بتعبير “جهاز الأمن العام” يقوم مسلحوها بدوريات في الممرات حيث تم احتجاز نحو 1500 مهاجر غير شرعي في 8 زنزانات تم فصلها حسب الجنس فيما يوجد مرحاض واحد فقط لكل 100 شخص وكان على “كاندي” غالبا التبول في زجاجة ماء أو التبرز بالحمام.

وينام المهاجرون غير الشرعيون على وسادات أرضية رقيقة ولم يكن هناك ما يكفي للتجول لذلك يتناوبون فأحدهم كان مستلقيا أثناء النهار والآخر في الليل فيما يتشاجرون على من ينام في الحمام الذي يتمتع بتهوية أفضل وكانوا يسيرون لمرتين في اليوم في صف واحد في الفناء حيث مُنعوا من النظر إلى السماء أو التحدث.

قياسات عنبر مبيت المهاجرين بحسب صور جوية وشهادات المهاجرين

ويضع الحراس أوعية طعام مشتركة على الأرض ليتجمع المهاجرون غير الشرعيون في شكل دوائر لتناول طعامهم فيما يقومون بضرب من يعصون الأوامر بكل ما هو في متناولهم أي مجرفة أو خرطوم أو كابل أو غصن شجرة فيما تحدث “توكام مارتن لوثر” الكاميروني الذي ينام على بساط بجانب “كاندي” عن وضعه.

وقال “لوثر”:”كانوا يضربون أي شخص من دون أي سبب على الإطلاق وتكهن المعتقلون بأنه عندما مات شخص ما ألقيت الجثة خلف أحد الجدران الخارجية للمجمع بالقرب من كومة من الطوب والأنقاض الجصية فيما عرض الحراس علينا حريتنا مقابل رسم قدره 500 دينار”.

وتابع “لوثر” قائلا:”وأثناء وجبات الطعام كان الحراس يتجولون حاملين هواتف خلوية وسمحوا للمحتجزين بالاتصال بأقاربهم الذين يمكنهم الدفع إلا أن أسرة “كاندي” لم تكن قادرة على تحمل مثل هذه الفدية وإذا لم يكن لديك أي شخص تتصل به فكل ما عليك هو الجلوس.”

واتهم التقرير الاتحاد الأوروبي بإنشاء نظام هجرة هذا قبل 6 أعوام بعد أن أرهقته التكاليف المالية والسياسية لاستقبال المهاجرين غير الشرعيين من إفريقيا فهذا النظام يوقفهم وصولهم إلى أوروبا مؤكدا إن الاتحاد جهز ودرب ميليشيات خفر السواحل الليبيين لتخريب عمليات الإنقاذ الإنسانية في البحر واعتقال المهاجرين.

وتابع التقرير إن هذا الاعتقال يتبعه احتجاز إلى أجل غير مسمى في شبكة من السجون الهادفة للربح تديرها الميليشيات التي قامت بعد انتهاكات تم توثيقها من قبل وكالات الإغاثة الدولية في سبتمبر الماضي إذ تم احتجاز نحو 6 آلاف مهاجر غير شرعي جلهم في “المباني”.

وتعرض المعتقلون للتعذيب بالصدمات الكهربائية واغتصاب الأطفال من قبل الحراس وابتزاز الأسر من أجل الحصول على فدية وبيع الرجال والنساء للعمل القسري فيما نقل التقرير عن صلاح المرغني وزير العدل الأسبق قوله إن الاتحاد الأوروبي خطط بعناية لجعل ليبيا حفر جهنم للمهاجرين غير الشرعيين لردعهم.

رسم بياني لمركز الاحتجاز بحسب صور جوية وشهادات المهاجرين

وكشف التقرير عن وضع خطة للهروب من “المباني” بعد 3 أسابيع من وصول “كاندي” من قبل “موسى كروما” من ساحل العاج وعدة أشخاص آخرين قضوا حاجتهم في سلة مهملات وتركوها في زنزانتهم لمدة يومين حتى غمرت الرائحة الكريهة المكان.

وتحدث “كروما” بالقول:”كانت تلك المرة الأولى لي في السجن وكنت مرعوبا وعندما فتح الحراس باب الزنزانة اقتحمها 19 مهاجرا صعدوا فوق سطح الحمام وسقطوا 15 قدما فوق جدار خارجي واختفوا في أزقة من الأزقة بالقرب من السجن”.

وتابع “كروما” قائلا:”وبالنسبة لأولئك الذين بقوا كانت العواقب دموية واستدعى الحراس تعزيزات قاموا برش الزنازين بالرصاص ومن ثم ضربوا النزلاء” فيما قال مهاجر غير شرعي في وقت لاحق لمنظمة العفو الدولية:”كان هناك شخص واحد في زنزانتي وضربوه بمسدس على رأسه حتى أغمي عليه وبدأ يرتجف”.

وأضاف المهاجر بالقول:”لم يستدعوا سيارة إسعاف له في تلك الليلة وكان لا يزال يتنفس لكنه لم يكن قادرا على الكلام ولا أعرف ماذا حدث له” فيما بين التقرير إن الأسابيع التي تلت ذلك شهدت محاولة “كاندي” الابتعاد عن المشاكل والتشبث بإشاعة مفعمة بالأمل.

وأشار التقرير إلى أن الحراس خططوا لإطلاق سراح المهاجرين في زنزانة “كاندي” تكريما لشهر رمضان الذي كان سيحل بعد شهرين فيما كتب “لوثر” في يومياته التي احتفظ بها:”الرب معجزة وأتمنى أن تستمر نعمة في حماية جميع المهاجرين في جميع أنحاء العالم وخاصة أولئك الموجودين في ليبيا”.

ونقل التقرير عن خبير الهجرة بالمعاهد الفرنسية للدراسات المتقدمة “جيمس هوليفيلد” قوله:”نحن في الغرب الليبي في معضلة وعلينا أن نجد طريقة لتأمين الحدود وإدارة الهجرة من دون تقويض العقد الاجتماعي والدولة الليبية نفسها” فيما واصل المرغني الإدلاء بآرائه بشأن الأمر.


 

وقال المرغني أن الهدف من برنامج التعاون الأوروبي مع خفر السواحل الليبيين هو جعل ليبيا الجانب الشرير وقناعا للسياسات الأوروبية فيما يتم الإعلان عن مساع لجمع المزيد من الأموال لدعم البرنامج وإظهاره بمظهر الساعي لإحلال الأمن في أوروبا.

وتطرق التقرير لتجربة القائمين على إعداه في منظمة غير ربحية تدعى “آوت لو أويشن بروجيكت” وتقدم تقارير حول حقوق الإنسان والقضايا البيئية في البحر ممن سافروا إلى العاصمة طرابلس ممن لا يسمح المسلحون فيها بدخول أي صحفي غربي إليها ليم ذلك بمساعدة مجموعة مساعدات دولية.

وأشار القائمون على إعداد التقرير إلى تهيئتهم أجهزة تعقب ووضع نسخ من جوازات سفرهم داخل أحذيتهم ليصار بعد ذلك إلى نقلهم لفندق بالقرب من وسط العاصمة طرابلس وتكليفهم بتفاصيل أمنية صغيرة مؤكدين إن وكالة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي “فرونتكس” تقدم مساعدات سخية لخفر السواحل الليبيين.

وتابع القائمون إن “فرونتكس” بدأت في قيادة جهد منهجي للقبض على المهاجرين غير الشرعيين في البحر ولديها ميزانية تزيد عن نصف مليار يورو فضلا عن خدمتها النظامية الخاصة التي تنشرها في عمليات خارج حدود الاتحاد الأوروبي فضلا عن دعمها لخفر السواحل الليبيين بالتدريب والمعدات والزوارق.

وتحافظ “فرونتكس” على مراقبة شبه مستمرة للبحر الأبيض المتوسط ​​من خلال طائرات من دون طيار وأخرى خاصة مستأجرة وعندما يكتشف قارب مهاجرين يتم إرسال صوره ومعلومات موقعه لوكالات حكومية محلية وشركاء في المنطقة للمساعدة ظاهريا في عمليات الإنقاذ مع عدم إبلاغ السفن الإنسانية.

وبين التقرير إن “فرونتكس” تنفي وجود أي تعاون مباشر بينها وخفر السواحل الليبيين وهو ما نفاه تحقيق أجراه تحالف منظمات إخبارية أوروبية وتم من خلاله توثيق 20 حالة راقبت من خلالها الوكالة مهاجرين غير شرعيين ومن ثم تم اعتراضهم من قبل خفر السواحل.

وتابع التقرير إن “فرونتكس” ترسل أحيانا مواقع قوارب المهاجرين مباشرة إلى خفر السواحل الليبيين عبر تطبيق “واتساب” للتواصل الاجتماعي بضمنها 37 رسالة وردت خلال وجود “كاندي” في البحر أي من الأول وحتى الـ5 من فبراير الماضي رفضت الوكالة الإفصاح عن محتواها بحجة حماية المهاجرين.

ويجادل خبراء قانونيون بأن هذه الإجراءات تنتهك القوانين الدولية ضد الإعادة القسرية أو إعادة المهاجرين إلى أماكن غير آمنة فيما أفاد مسؤول كبير في “فرونتكس” طلب عدم الكشف عن هويته خوفا من الانتقام أن الوكالة تبث أيضا لقطات المراقبة الخاصة بها لخفر السواحل الإيطاليين.

وتابع المسؤول أن البث يشمل مركز تنسيق الإنقاذ البحري الإيطالي الذي يعتقد المسؤول أنه يخطر خفر السواحل الليبيين بالمعلومات فيما لم ترد كل هذا الوكالات على طلبات للتعليق على هذا الموضوع ما يعني تعريض حياة المهاجرين غير الشرعيين للخطر وتحمل “فرونتكس” مسؤولية ذلك بشكل مباشر.

خفر السواحل الليبي في ملاحقة قارب للمهاجرين

وبحسب التقرير فبمجرد حصول خفر السواحل الليبيين على الإحداثيات يهرعون إلى القوارب في محاولة للقبض على المهاجرين قبل وصول سفن الإنقاذ الإنسانية ليتم في بعض الأحيان إطلاق النار على القوارب وطلقات تحذيرية للسفن الإغاثية الإنسانية.

وأكد القائمون على التقرير إنهم أمضوا عدة أسابيع على متن سفينة تابعة لمنظمة “أطباء بلا حدود” لتصوير محاولاتها لإنقاذ المهاجرين غير الشرعيين في البحر بعد أن تم تحديد قواربهم بمساعدة طائرات الرادار والمتطوعين إلا أن حالات عدة شهدت قيام خفر السواحل الليبيين بالقبض على هؤلاء وضربهم.

وتابع القائمون على التقرير إن طائرة “فرونتكس” من دون طيار تم مشاهدتها وهي تحلق فوق رؤوسهم من دون انقطاع لأكثر من 45 ساعة فيما كانت سفينة “أطباء بلا حدود” تحاول القيام بواجيها الإنساني لتتلقى تهديدات خفر السواحل الليبيين عبر اللاسلكي.

وقال أحد خفر السواحل الليبيين:”ابتعدوا عن الهدف ولا تدخلوا المياه الليبية وإلا سنتعامل معكم وسنلجأ إلى إجراءات أخرى” فيما تحدث مهاجرون غير شرعيون من السودان بعد عملية إنقاذ ناجحة لهم عما شاهدوه في ليبيا من ضرب وتعذيب على يد خفر السواحل عندما تم القبض عليهم في رحلة سابقة.

زوجة كاندي كورتسي واطفالهم

وأشار المهاجرون غير الشرعيون إلى مشاهدتهم لمعتقلين تم قتلهم رميا بالرصاص في مركز احتجاز ليبي فيما ارتدى مهاجر قميصا كتب عليه عبارة “اللعنة على ليبيا” في وقت تناول فيه التقرير عملية تهريب “كاندي”عبر البحر في الـ3 من فبراير الماضي مع 130 مهاجر غير شرعي.

وبين التقرير إن هؤلاء تم إيصالهم إلى الساحل الليبي ومن ثم إطلاقهم على متن قارب مطاطي قابل للنفخ فيما شرع بعض المتحمسين منهم بالغناء ليدخل قاربهم بعد ساعتين تقريبا إلى المياه الدولية ليشعر “كاندي” بالأمل ويخبر آخرين على متن القارب أنه كان يفكر في اصطحاب زوجته وأطفاله للانضمام إليه.

وبحسب التقرير كلف المتاجر البشر 3 مهاجرين غير شرعيين بالمسؤولية إذ قام أحدهم بتوجيه الزورق على طول طريقه باستخدام بوصلة وآخر بإدارة المحرك والتعامل مع الهاتف الذي يعمل بالأقمار الصناعية وبمجرد أن أصبحوا بعيدين بما يكفي عن ليبيا كان من المفترض أن يتصل بمنظمة “آلارم فون” لطلب الإنقاذ.

وبين التقرير إن البحر أصبح هائجا فجأة وقاد هذا لحدوث إرباك داخل القارب فالجميع بدأ بالتغوط والتقيؤ ودخلت المياه إليه وحدث شجار فيه ليشرع الركاب بالدعاء والتوسل إلى ربهم بإنهاء محنتهم هذه حتى حلول الفجر الذي شهد نهاية الهيجان البحري.

وأضاف التقرير إن الاتصال بالمنظمة أسفر عن إبلاغ الركاب بوجود سفينة تجارية قريبة ما جعلهم يفرحون إلا أنهم لاحظوا في ذات الوقت تحليق طائرة من طراز “إيغل 1” للمراقبة لمدة 15 دقيقة فوق رؤوسهم وهم يبعدون 70 ميلا عن المياه الليبية ليصل بعد ذلك قارب خفر السواحل الليبيين ويعتقلهم.

زورق خفر السواحل الليبي يصدم قارب للمهاجرين

وبحسب القائمين على التقرير تم إبلاغهم من قبل مسؤولين حكوميين بإمكانية التجول داخل “المباني” إلا أن هذا لم يحدث ما جعلهم يسيرون طائرة من دون طيار لتصوير المركز إذ ظهر الحراس وهم يستعدون لإخراج المهاجرين غير الشرعيين من الفناء إلى زنازينهم.

وبين التقرير إن اللقطات التي تصويرها أظهرت جلوس قرابة 65 من هؤلاء في زاوية وهم بلا حراك ورؤوسهم للأسفل وأرجلهم مطوية وكانت أيدي كل منهم تلمس ظهور من هم أمامهم فيما نظر رجل إلى جانبه وتم ضربه من قبل أحد الحراس على رأسه.

ووفقا للتقرير فإن عملية إنشاء مركز احتجاز “المباني” تمت بإشراف عماد الطرابلسي الميليشياوي البارز بجهاز الأمن العام في وقت أقر فيه متحدث باسم الصندوق الاستئماني الأوروبي بأن الوضع في سجون المهاجرين غير الشرعيين وحشي وغير مقبول مع وجوب إنهاء نظام الاحتجاز التعسفي الحالي.

عماد الطرابلسي

وأوضح التقرير إن المسؤولين الأوروبيين يصرون على مسألة عدم تمويل الصندوق لمراكز الاحتجاز بشكل مباشر رغم إن إنفاقه مبهم فيما أصر المتحدث باسمه على إرساله الأموال فقط لتوفير الدعم لإنقاذ حياة المهاجرين غير الشرعيين المحتجزين عبر وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية.

وأكد المتحدث إن هذه الوكالات والمنظمات تقدم الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة النقدية والمواد غير الغذائية لهؤلاء إلا أن “تينيكي سترك” عضوة البرلمان الأوروبي لها رأي مفاده أن هذا لا يعفي أوروبا من المسؤولية المترتبة على وجود مراكز الاحتجاز.

وقالت “سترك”:”إذا توقف الاتحاد الأوروبي وأصوله عن تمويل خفر السواحل الليبيين فلن يكون هناك اعتراض وإحالة إلى مراكز الاحتجاز المروعة هذه” مضيفة إن الاتحاد يرسل الأموال إلى حكومة الوحدة الوطنية التي تشرف مديرية مكافحة الهجرة غير الشرعية التابعة لها على مراكز الاحتجاز.

وبينت “سترك” إنه وحتى لو كان الاتحاد الأوروبي لا يدفع لبناء منشآت أو رواتب مسلحي هذه المراكز فإن أمواله تدعم بشكل غير مباشر الكثير من عمليات المراكز فالصندوق الاستئماني يدفع للقوارب التي تأسر المهاجرين غير الشرعيين والحافلات التي تنقلهم إلى السجون والعربات ذات الدفع الرباعي التي تطاردهم على الأرض.

وأكد التقرير قيام وكالات الأمم المتحدة الممولة من الاتحاد الأوروبي ببناء الحمامات والمرافق الصحية ودفع ثمن البطانيات والملابس ولوازم الاستحمام التي يتلقاها المهاجرون غير الشرعيون عند وصولهم فضلا عن التزام الصندوق بشراء سيارات إسعاف تنقل المحتجزين إلى المستشفى عندما يمرضون.

وتابع التقرير إن الاتحاد الأوروبي يدفع ثمن أكياس الجثث التي يتم وضع جثث المهاجرين غير الشرعيين فيها مؤكدا إن تدريب الليبيين على كيفية التعامل مع الجثث بطريقة تحترم الأديان لا يعني إن كل هذا الدعم لا يساهم في إدامة عجلة العمل في هذه المراكز الوحشية.

صورة جوية لمركز احتجاز “المباني”

وأضاف التقرير إن الميليشيات تستخدم أيضا مجموعة متنوعة من الأساليب لتحقيق ربح من المراكز مثل سرقة الأموال والبضائع المرسلة إلى المهاجرين غير الشرعيين من قبل المنظمات الإنسانية والوكالات الحكومية من خلال آلية تحويل المساعدات.

وعلى ذمة التقرير أفاد مدير مركز احتجاز في مدينة مصراتة باستيلاء شركات التموين المرتبطة بالميليشيات التي تخدم المركز على نحو 85% من الأموال المرسلة لتوفير الوجبات فيما كشفت دراسة للصندوق الاستئماني الأوروبي عن ذهاب أمواله المرسلة للمنظمات الإسنانية إلى جيوب قادة الميليشيات.

وتطرق التقرير عن سوق العبيد في ليبيا حيث يتم بيع المهاجرين غير الشرعيين للعمل في مجال الزراعة وبواقع أجر أولي يبلغ 400 دينار لكل مهاجر فيما تم إجبار من لم يتتجاوز أعمارهم الـ14 عاما على العمل في المزارع والمنازل الخاصة وتنظيف وتحميل الأسلحة في المعسكرات أثناء الأعمال العدائية.

وبينت دراسة الصندوق إن الابتزاز ربما يكون هو أكثر مخططات جني الأموال شيوعا ففي المراكز كل شيء له ثمن بداية من الحماية والغذاء والدواء ووصولا إلى الحرية الأغلى إلا أن دفع الفدية لا يضمن الإفراج فقد يتم ببساطة إعادة بيع بعض المهاجرين غير الشرعيين إلى مركز احتجاز آخر ما يعني مزيد من الدفع.

وبحسب التقرير تم التواصل هاتفيا مع مدير مركز “المباني” الذي رفض كل ما يقال عن سوء معاملة المهاجرين غير الشرعيين مع إنهاء الاتصال بسرعة فيما توجه القائمون عليه إلى حي قرقارش للحديث مع مهاجرين غير شرعيين رافقوا “كاندي” في رحلته المريرة ومنهم “سوماهورو”.

وأطلع “سوماهورو” وهو صديق لـ”كاندي” ورافقه في رحلة القارب والاحتجاز القائمين على التقرير على مكان سكنه في حي قرقارش وهو عبارة عن غرفة بلا نوافذ يسكنها مهاجران آخران فيما قال:”الحديث عن فترة وجودي في السجن صعب حقا بالنسبة لي”.

وأضاف “سوماهورو” بالقول:”تعرض المهاجرون غير الشرعيون في المبنى للضرب بسبب التهامس لبعضهم البعض أو التحدث بلغاتهم الأصلية أو الضحك وتم احتجاز مثيري الشغب لعدة أيام في غرفة العزل وهي محطة وقود مهجورة خلف زنزانة النساء”.

مكان حجرة العزل

وتابع “سوماهورو” قائلا:”غرفة العزل لا تحتوي على حمام لذلك كان على السجناء قضاء حاجتهم في الزاوية وكانت الرائحة كريهة لدرجة أن الحراس كانوا يرتدون أقنعة عند زيارتهم وربط الحراس أيدي المعتقلين بحبل معلق بعارضة سقف من الصلب وضربوهم”.

ومضى “سوماهورو” بالقول:”ليس من السيء رؤية صديق أو رجل يصرخ أثناء تعذيبه لكن رؤية رجل طوله 6 أقدام يضرب امرأة بالسوط هذا هو الصعب ونظمت

إضرابا عن الطعام احتجاجا على عنف الحراس وتم نقلي إلى غرفة العزل حيث علقت رأسا على عقب مثل قطعة ملابس وضربت مرارا وتكرارا”.

ووفقا لمعتقلة سابقة في “المباني” تدعى “أدجارا كيتا” وهي من ساحل العاج وتبلغ من العمر 36 عاما فإنها بقيت في الاعتقال لمدة شهرين فيما كانت النساء تساق سوقا من زنازينهن للاغتصاب من قبل الحراس ومن ثم تأتي العودة المفعمة بالبكاء الشديد.

وأشارت “كيتا” إلى اقتيادها من قبل الحراس إلى مكتب قريب لضربها بشكل انتقامي بعد هروب امرأتين من “المباني” فيما تم استخدام البعض من المهاجرين غير الشرعيين كمتعاونين لإبقائهم منقسمين ومن بين هؤلاء محمد سومة البالغ من العمر 23 المنحدر من جمهورية غينيا.

وبين سومة إنه تم استخدامه في البداية للمساعدة في المهام اليومية وسرعان ما تم تكليفه بالحصول على معلومات عن المهاجرين الذين يكرهون بعضهم البعض والمحرضين ومن ثم التعامل مع مفاوضات الفدية ليصار إلى منحه المكافأة من قبل الحراس.

 

وتمثلت المكافأة بالسماح له بالنوم في غرفة المطبخ واختيار العديد من المهاجرين غير الشرعيين لتحريرهم وتمكينه من مغادرة المركز غلا أنه لم يذهب بيعدا لعلمه بأنهم سيجدوه ويضربوه إذا حاول المغادرة فيما تحدث التقرير عن زيارات قامت بها لمرتين في الأسبوع منظمات الإغاثة الدولية.

وأضاف التقرير إن المحتجزين كانوا يتعرضون للضرب وبانت جروحهم وكدماتهم وكسورهم ومن بينهم طفل لم يتمكن من السير وطالبوا بإبلاغ أسرهم عن مكان احتجازهم وأنهم على قيد الحياة فيما تواجد 3 منهم في كل متر مربع من الزنازين وتم اكتشاف تفسي مرض السل ووباء كورونا بينهم.

وبين التقرير إن مجموعة إغاثة أخرى جلبت المياه والبطانيات التي طلبها المركز إلا أنها رفضت تقديم أية مساعدة أخرى بعد اكتشافها استيلاء حراس “المباني” عليها في وقت لم تقدم فيه سفارات دول المهاجرين غير الشرعيين أية مساعدات لهم فيما هدد ضباط ليبيون القائمين على إعداد التقرير في وقت لاحق.

وبحسب القائمين أبلغهم أحد الضباط عبر الهاتف إن من غير المسموح لهم الحديث مع المهاجرين غير الشرعيين أو التواجد في قرقارش مؤكدا إن عدم مغادرتهم الفورية تعني اعتقالهم ومن ثم طردهم إلى خارج البلاد ما جعلهم يبقون قريبا من فندقهم ولا يغامرون بمغادرته.

وبينما كان “كاندي” جالسا في زنزانته في انتظار حلول شهر رمضان قضى و”لوثر” الوقت بلعب الدومينو فيما كتب الأخير في مذكراته عن احتجاج للسجينات: “إنهن يرتدين ملابس داخلية ويجلسن على الأرض لأنهن يطالبن أيضا بالإفراج عنهن”.

وبين “لوثر” إن الحراس علموهم بعض الكلمات من قبيل الجلوس أو التجمع على شكل 5 أشخاص لتناول وجبات الطعام فضلا عن التلويح بالتعذيب في حال الثرثرة مؤكدا أنه و”كاندي” اضطرا للتعامل مع مهاجر غير شرعي تعرض لضربة على رأسه والعناية به.

وبين التقرير إن نهاية مارس الماضي شهدت إعلامهم بأنه لن يتم الإفراج عنهم خلال شهر رمضان فيما كتب “لوثر”:”هكذا هي الحياة في ليبيا ولا يزال يتعين علينا التحلي بالصبر حتى نتمتع بحريتنا لكن كاندي بدا يائسا على نحو متزايد وعندما تم اعتقاله لأول مرة فشل خفر السواحل بطريقة ما في مصادرة هاتفه الخلوي”.

وتابع “لوثر”: لقد أبقى هاتفه مخفيا خوفا من أن يعاقب بشدة إذا تم القبض عليه وبعد رفض الإفراج عنهم في رمضان أرسل رسالة صوتية إلى إخوته عبر “واتساب” في محاولة لشرح الموقف وفيها قال:”كنا نحاول الوصول إلى إيطاليا عن طريق البحر ومن ثم أمسكوا بنا وأعادونا والآن نحن محبوسون في السجن”.

وأضافت الرسالة:”ولا يمكن إبقاء الهاتف قيد التشغيل لفترة طويلة هنا أتوسل إليكم جدوا طريقة للاتصال بأبي لجمع الفدية” فيما بين “لوثر” إن “كاندي” استيقظ على صوت ضوضاء فجر الـ8 من أبريل الماضي إذا كان العديد من المعتقلين السودانيين يحاولون فتح باب الزنزانة رقم 4 والهرب.

صورة ارسلها كاندي لوالدته

سأل “كاندي” الذي كان يشعر بالقلق من أن جميع السجناء سيعاقب “سوماهورو” عن الذي عليه أن يقوم به ليقوم الأخير بالذهاب مع عشرات الآخرين لمواجهة السودانيين ليقول لهم “سوماهورو”:”لقد حاولنا الخروج عدة مرات من قبل لم تنجح أبدا ولقد تعرضنا للضرب للتو”.

لم يستمع السودانيون لـ”سوماهورو” وقاموا بسحب الأنابيب الحديدية من جدار الحمام وأصيب مهاجر في عينه وسقط آخر على الأرض ، والدم يتدفق من رأسه وبدأت المجموعات في رمي بعضها البعض بالأحذية والدلاء وزجاجات الشامبو وقطع من اللوح الجصي.

وقال “كاندي” لـ”سوماهورو”:”لن أقاتل أنا أمل أسرتي بأكملها” لتستمر المشاجرة لمدة 3 ساعات ونصف الساعة ويصرخ بعض المهاجرين طلبا للمساعدة وصرخوا :”افتحوا الباب” وبدلا من ذلك ضحك الحراس وهللوا وهم يصورون القتال بهواتفهم عبر الشبكة”.

وقال أحد الحراس استمروا في القتال وهو يمرر في زجاجات المياه لإبقاء المشاجرين رطبين ويقول إذا كنتم تستطيعون قتلهم فافعلوا ذلك فيما غادر الحراس لاحقا في الـ5 والنصف فجرا وعادوا ببنادق نصف آلية ومن دون سابق إنذار أطلقوا النار على الزنزانة عبر نافذة الحمام لمدة 10 دقائق.

ووفقا لـ”سوماهورو” بدت الزنزانة ساحة معركة وأصيب مراهقان من جمهورية غينيا وهما إسماعيل دومبويا وأيوبا فوفانا و”كاندي” الذي كان يختبئ بالحمام أثناء القتال في رقبته وترنح على طول الحائط ملطخا بالدماء ومن ثم سقط على الأرض وحاول “سوماهورو” إبطاء النزيف بقطعة قماش إلا أنه مات في غضون دقائق.

وبين التقرير إن مدير مركز احتجاز “المباني” وصل بعد ذلك وصرخ في وجه الحراس وأنبهم على فعلتهم هذه إذ يمكنهم القيام بأي شيء بحق المهاجرين غير الشرعيين بخلاف قتلهم فيما رفض هؤلاء تسليم الجثة ما استدعى الإتيان بالسومة المتعاون مع الحراس للتفاوض معهم.

وتابع التقرير إن السومة توصل لاتفاق مع المهاجرين غير الشرعيين يقضي بتسليم الجثة في مقابل تقدمهم للخروج من المركز ليخرج 300 منهم وينتشروا في شوارع العاصمة طرابلس في الساعة الـ9 صباحًا فيما أشار القائمون على التقرير على سعيهم لجمع تفاصيل عن مقتل “كاندي” في الـ8 من أبريل الماضي.

صورة جوية للمكان الذي دفن فيه كاندي في طرابلس

وأضاف القائمون إن موظفي الفندق الذي يقيومون فيه وحراس الأمن يبلغون السلطات بكل تحركاتهم ليقوم العشرات من المسلحين في الـ23 من مياو الماضي باقتحام غرفهم ووضع أغطية سوداء على رؤسهم ومن ثم وضع مسدسات على الرؤوس والطلب منهم النزول للأرض وركلهم ولكمهم.

وتابع القائمون بالقول أنهم تعرضوا للدوس على وجوههم وتكسر أضلاعهم وتلف أحدى الكليتين لبعضهم وخروج الدم في البول فيما تم سحبهم من غرفهم لاحقا إلى غرفة استجواب سوداء حيث تعرضوا مرة أخرى للضرب والتنكيل ونعتهم بأوصاف مثل “كلاب” والتحرش بالنساء والاستيلاء على الممتلكات والنقل للزنازين.

وتبين بعد ذلك أنهم محتجزون في سجن سري على بعد مئات الأمتار من السفارة الإيطالية ليقول لهم من اعتقلوهم:” نعلم أنكم تعملون في وكالة المخابرات المركزية الأميركية وهنا في ليبيا يعاقب التجسس بالإعدام” فيما تم التركيز خللال التحقيقات عن أسباب وضع نسخ من جوازات السفر في الأحذية وحمل أجهزة تعقب.

اللواء حسين العائب مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي

وقال القائمون إن من اعتقلوهم طلبوا منهم التوقيع على أوراق مكتوبة باللغة العربية تحمل عنوان “إدارة مكافحة النشاط العدائي” واللواء حسين العايب (رئيس جهاز المخابرات التابع للمجلس الرئاسي)  فيما احتفظوا بأجهزة الكمبيوتر والهواتف والنقود بالإضافة إلى معدات تصوير بقيمة 3 ألف دولار.

وتابع القائمون أن إطلاق سراحهم تم بعد فترة قصيرة دامت لـ6 أيام ومن ثم تم طردهم من ليبيا بطائرة إلى تونس لأنهم يبلغون عن واقع المهاجرين غير الشرعيين ما يعني إحراج ليبيا فيما تم الإعلان عن وفاة “كاندي” في شجار وهو ما أغضب ذويه ممن يرون أنه قتل بنيران الحراس.

ترجمة المرصد – خاص

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة المرصد الليبية

عن مصدر الخبر

صحيفة المرصد الليبية