ليبيا الان

مترجم سابق بوزارة الخارجية يروي تفاصيل احتجازه في سجن سري بطرابلس

مصدر الخبر / بوابة الوسط

نشرت شبكة «بي بي سي» البريطانية، اليوم الأحد، رواية المترجم الفوري السابق بوزارة الخارجية الليبية وليد الحضيري تفاصيل اختطافه واحتجازه داخل سجن سري في العاصمة طرابلس، في أكتوبر عام 2020.

كان الحدث بعيد مهمة ترجمة فورية خلال اجتماع بين مسؤولين ليبيين وعدة سفراء أجانب في العاصمة طرابلس، بعدما رافق الحضيري السفير الكونغولي سيرًا على الأقدام نحو سيارته وودعه، ثم عاد إلى غرفة الاجتماع لجمع أغراضه.

يقول الحضيري: «في تلك اللحظة، وجدت أشخاصًا بانتظاري. قاموا بضربي وصفعي، واختطفوني تحت تهديد السلاح. بعد ذلك، أخفوني من على وجه الأرض. لم أكن حتى أعرف أين كنت».

ويضيف الحضيري، للشبكة البريطانية، إن أجهزة الاستخبارات هي التي أرسلت الرجال الأربعة، الذين كانوا يرتدون زيًا مدنيًا، والذين اقتادوه إلى أحد سجون طرابلس السرية، التي تديرها في بعض الأحيان مجموعات مسلحة، التي تسيطر على العديد من أجزاء العاصمة.

يقول الحضيري: «على مدى 47 يومًا، لم أكن أعرف أين كنت… الأيام والأسابيع التي أعقبت اختطافه كانت بمثابة دوامة»، حيث اتهم الحضيري بالسعي إلى «الحصول على أسرار عسكرية، ووضع في حبس انفرادي، ثم نقل إلى موقع آخر وتعرض للتعذيب، وحرم من كافة مظاهر الحياة الطبيعية».

الحضيري: «حرموني من المياه ويضربوني على الظهر ثلاث مرات يوميًا»
يتابع الحضيري: «حرموني من المياه مدة ثلاثة أيام متواصلة، وكانوا يأتون لضربي على الظهر ثلاث مرات يوميا. لم يسألوني عن شيء على الإطلاق». وبعد حوالي أسبوعين، بدأ استجواب الحضيري أخيرا، وتوقف الضرب الذي كان يتعرض له إلى حد كبير.

– مديرية أمن الكفرة تعلن تحرير 47 مهاجرا غير شرعي من «سجن سري»
– «تقصي الحقائق» توثق ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في ليبيا.. وتحض على محاسبة مرتكبيها

عُرض على ممثل الادعاء، وبعد شهر، في منتصف نوفمبر عام 2020، نقل هو وزميل له كان محتجزا أيضا إلى سجن الرويمي في ضاحية عين زارة بطرابلس.

يقول الحضيري: «في اليوم الذي ذهبنا فيه إلى السجن شعرنا بأننا أحرار، فرغم أننا كنا في السجن، على الأقل أضحينا داخل إطار منظومة محددة». ويضيف الحضيري أنه قبل ذلك، كان هو وزميله في «اللامكان..لم نكن ندرك أننا سنقضي الشهور الـ 13 التالية في تلك المنشأة».

الحضيري.. موظف طموح بوزارة الخارجية
وقت احتجازه، كان الحضيري يعمل في قسم الترجمة بوزارة الشؤون الخارجية منذ بضعة شهور فقط، يضيف التقرير أن الحضيري كان موظفا طموحا ذا خلفية في مجال تكنولوجيا المعلومات وحقوق الإنسان، ورُشح لشغل منصب رئيس قسم تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وهي الترقية التي كلفته أكثر بكثير مما كانت تستحق.

في بادئ الأمر، اتهم الحضيري بـ«اختراق نظام المعلومات السري للوزارة». وذكرت وسائل الإعلام أنه وضع في الحجز منتصف أكتوبر عام 2020، ونشرت بيانا صادرا عن مكتب النائب العام جاء فيه أن وكالات الاستخبارات ألقت القبض عليه.

تهمة الحصول على أسرار دفاعية
وبعدها جرى اتهامه هو وزميله سفيان مرابط الموظف بقسم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالوزارة بـ«استخدام وسائل الاتصال عن بعد بغرض الحصول على أسرار دفاعية». كما اتهم الحضيري بتحميل نظم على الحاسوب الخادم بالوزارة (السيرفر) وربطه بحاسوب خادم آخر في فرنسا حيث يعمل والده سفيرا.

وضع مرابط في السجن تقريبا في نفس الوقت الذي سجن فيه الحضيري، وأطلق سراح الاثنين في يناير عام 2022، بعد محنة استمرت نحو 15 شهرًا.

«مؤامرة» وراؤها رجل ذي «صلة بشخصيات نافذة في طرابلس»
يصف الحضيري ما حدث بأنه «مؤامرة»، ويتهم مدير قسم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في ذلك الوقت – وهو رجل يصفه بأنه «على صلة بشخصيات نافذة في طرابلس» – بأنه وراء التهم «الباطلة» التي وجهت إليه، في محاولة، على حد قوله، لمنعه من أن يصبح رئيسا للقسم، وهو منصب ينطوي على عدد من المزايا.

بعد أشهر من حملة شاركت فيها عائلته ومحاموه واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا التي كان متطوعا بها، قررت المحكمة أن الاتهامات «ليس لها سند في الواقع أو في القانون، بل كانت (نتيجة) خلاف بين زملاء في العمل».

براءة الحضيري
وجاء في حيثيات حكم البراءة كذلك أن الحضيري ومرابط أجبرا على الاعتراف بالإكراه، وتعرضا للقمع «الجسدي والنفسي» و«اختطفا واقتيدا إلى حيث لا يعرف أحد مكانهما، ما دفع عائلتيهما إلى الاتصال بمكتب النائب العام وتقديم بلاغ بأنهما مفقودان».

وجاء في الحكم أيضا أن الطبيب الذي فحص الحضيري وجد «العديد من الإصابات، ولا سيما كدمات في الجذع، تعرض لها في نفس الفترة، وبفعل آلة مثلومة (غير حادة) أو قضيب معدني».

حاولت «بي بي سي» الحصول على تعليق من وزارة الخارجية الليبية أو النائب العام أو المدير السابق لقسم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لكن دون جدوى. كما رفضت وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية التعليق على القضية.

تعتبر الشبكة البريطانية أن ما حدث لكل من الحضيري ومرابط أكثر من مجرد قصة تنافس بسيط بين موظفين حكوميين؛ فهو برأي مراقبين «مثال على ثقافة الفساد والإفلات من العقاب المستشرية في دولة يهيمن على السلطة فيها بشكل كبير استبداد المصالح الشخصية ونفوذ الميليشيات».

الحضيري يتحدث عن «انتهاكات» داخل وزارة الخارجية
في أغسطس عام 2022، ذكر ديوان المحاسبة الليبي أنه رصد «انتهاكات» بما يتعلق بالتعيينات القنصلية والدبلوماسية داخل الوزارة، وسلط الضوء على تعيين أفراد من «خارج قطاع الشؤون الخارجية». وأصدر الديوان توصيات شملت «التوقف عن زيادة عدد أفراد البعثات الدبلوماسية» في الخارج.

وفي معرض حديثه عن هذه الظاهرة، يصف الحضيري الوزارة وغيرها من مؤسسات الدولة بأنها «بقرة المال الحلوب». وعندما بدأ استجواب الحضيري للمرة الأولى، بعد حوالي أسبوعين من بدء محنته، ظل الشخص الذي كان يستجوبه يخبره بأنه محظوظ.

يقول الحضيري: «قال لي: (أتدري أنك محظوظ جدا. لقد مات سفيان، قتلناه…ولكن أنت، أنت محظوظ. في البداية، كنا نعتزم إرسالك إلى فرقة إعدام)… كان ذلك بعد أسبوعين من تعذيبي، بينما كنت معصوب العينين طوال الوقت. وهكذا بدأ الاستجواب. كانت تلك هي المرة الأولى التي خاطبني فيها أحد منذ أسبوعين».

تعلق «بي بي سي» بأن الشخص الذي استجوب الحضيري، والذي كان يكذب عندما أخبره بشأن موت مرابط، كان محقا بأكثر من طريقة عندما قال إنه محظوظ. فقد كان محظوظا بالفعل.

وفي بداية عام 2020، العام الذي احتجز فيه الحضيري، ذكرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «أونسميل» أنها تلقت «عشرات التقارير حول تعرض المدنيين للاختفاءات القسرية والتعذيب، بمن فيهم ناشطون في المجتمع المدني، وصحفيون ومهاجرون ومسؤولون حكوميون – وإن لم يكن ذلك مقصورا على هؤلاء فقط»، على يد «الميليشيات» في العام السابق.

الحضيري: «ما حدث هو حكاية كل ليبي. لكن الكثير لا يتكلمون»
وقد رفضت الأونسميل، التي يقول الحضيري إنها أُحيطت علما بقضيته، التعليق، قائلة إنها تحاول «منع أي أذى غير ضروري» قد يلحق بموظفيها وأسرهم. يقول الحضيري «ما حدث لي هو حكاية كل ليبي. لكن الكثير من الناس لا يتكلمون».

ويروي الحضيري قصة رجل التقاه في السجن كان يدير كافتيريا في منطقة قصر بن غشير الواقعة على بعد نحو 20 كيلومترا جنوب وسط طرابلس، زعم أنه ضُبط في درج خزينة مطعمه دينارات أصدرها البنك المركزي في شرقي البلاد، حيث توجد حكومة منافسة لحكومة الغرب الليبي ومقرها طرابلس.

ويضيف: «عندما أغلق مطعمه في ذاك اليوم، كان به 100 أو 200 دينار من الشرق، من إجمالي نحو 2000 دينار. لهذا السبب وجهت إليه الاتهامات. ولكنه لم يعرض مطلقا على النيابة، ولم يكن لدى أسرته أدنى فكرة عن مكانه».

الحضيري: بعض الأشخاص توفوا في السجن
وتابع: «بعض الأشخاص توفوا [في السجن]..بعضهم كانوا هناك منذ خمسة أو ستة شهور. ولم يتم عرضهم على المحكمة. ولم يعرف أحد أين كانوا». ويدرك الحضيري أنه ينتمي إلى عائلة تتمتع بامتيازات واتصالات. ولكن رغم ذلك، استغرق الأمر أكثر من عام قبل أن تُبرأ ساحته.

بعد شهور من إطلاق سراحهما، لم يتم إعادة أي من الحضيري أو مرابط إلى وظيفتيهما بوزارة الخارجية، كما أنهما لم يحصلا على أي شكل من أشكال التعويض.

الحضيري: «كوني لا زلت على قيد الحياة هو معجزة بالنسبة إليَّ»
واختتم حديثه بقوله: «عندما تمر بما مررنا به، بعض الأشخاص لا يتغلبون على هذه المحنة، بل يصبحون مجرد ظل، ولا يتبقى في أجسادهم سوى أطلال من شخصياتهم…كوني لا زلت على قيد الحياة هو معجزة بالنسبة إلي».

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

بوابة الوسط