اخبار ليبيا الان

انتصار بنغازي على الحرب

“هذا هو انتصار بنغازي على الحرب” قال صديقي الكاتب، فتح الله ابزيو، الذي ظل في مناطق الحرب الأكثر شراسة في المدينة، ولم يبرحها لشهور عديدة، “لقد عانى الناس كثيرا، لكنهم أبدا لم يفقدوا الصبر ولا الأمل” “من قتلوا من الطرفين هم أبناؤنا، وسيمرُّ وقت طويل قبل أن نتجاوز هذا، أو نستوعب بالكامل الجنون الذي حدث”. “تستحقُّ بنغازي جائزة نوبل لصمودها ضد الشقاق والتطرف.” ومثل هذه الكلمات تشي بمدى تعقيد الأزمة الليبية.

فبعد أربع سنوات من إسقاط وقتل الدكتاتور معمر القذافي، ليبيا في الحقيقة تحولت إلى دولة فاشلة، ممزقة بين ثلاث حكومات وعشرات الميليشيات. لأسباب سياسية، وأيديولوجية، وقبلية، وإجرامية فحالة القتال والإرهاب هي السائدة. تفعيل القانون في البلاد يكاد ينعدم، ولا يشعر الناس بالأمان لعدم وجود مراكز شرطة، وتوقف المحاكم العدلية. فقد جرى استهداف الضباط، والقضاة، والمحامين بعمليات اغتيال، وتزداد معدلات الجريمة، والتضخم، وانعدام الشعور بالأمان. بالإضافة إلى كل هذا، هناك النقص في الغذاء، والدواء، والكهرباء. لكن ما الذي جعل هذا القتل المتبادل بين الإخوة يستمر؟.

سقوط القذافي الذي أراده أغلب الليبيين، حفزه توفّرُ السلاح، لكن طيران الناتو هو الذي دمّر ترسانة القذافي. بدت الأمور على ما يرام بعد زوال القذافي، فقد تشكل “مجلس انتقالي” وتأسس “مكتب تنفيذي”. آنذاك، فبنغازي التي كانت محور ثورة فبراير ومركزها، بدت غاية في النبل والأمان، بحسب ملاحظة صحفي أميركي في حينه. وقام  كاميرون، وساركوزي، وقادة آخرون بزيارة المدينة حيث لقوا ترحيبا شعبيا، غُطِي بكثافة في بلدانهم، لكن جيش القذافي ومنظومته الإدارية تركا في حالة مروّعة. يقول البعضُ الآن أنه كان على “الناتو” أن يُتم المهمة، لكن حينذاك لم يكن لدى القوى الغربية خطط لإعادة تأهيل مرحلة ليبيا ما بعد القذافي. فهل تلك الفوضى التي تولدت كانت نتيجة عمل مقصود أم أنها محض إهمال؟.

ربما لا يكون  الآخرون سببا للأزمة الليبية الحالية ، لكن اللوم في هذه الفوضى يقع بدرجة كبيرة على كاهل النخب السياسية الليبية، وأيضا غذتها ثقافة محاباة الأقارب التي تضع المصالح الشخصية قبل المصلحة العامة.

في تناقض كبير كان معظم رجالات محمود جبريل قد اختيروا من فريق “ليبيا الغد” وهو برنامج إصلاحي أطلقه ابن القذافي “سيف” ولم تكن تلك مؤامرة، فبكل بساطة عرف هؤلاء الناس، ووثقوا ببعضهم البعض، وكانت لهم علاقة بالدبلوماسية الدولية. ولأن الثورة كانت بلا قيادة، فقد صارت السلطة متاحة لمن أراد اقتناصها. لكن لم يكن لدي القادة الجدد فكرة عن كيفية إدارة الوضع المضطرب الذي أعقب الثورة. ولأنهم موظفون كبارا لم يكن “رجال البذلات” كما يسميهم الكاتب “دانيال وليامس” سوى انتساخا للمصرفي السياسي العراقي الراحل “أحمد الجلبي” الذي مهد لإطلاق العراق في مساره الكارثي، فهؤلاء الرجال أساؤوا استخدام السلطة التي وجدوها فجأة في أيديهم، وبكل بساطة لم يعرفوا كيف يتعاملون مع القوى الجديدة التي جاءت بعد القذافي، وتحديدا المليشيات المسلحة. ومع اندثار جيش القذافي وانحسار إدارته، فقد عملت أيام الاضطراب الأولى على ظهور سلسلة من الحكومات العاجزة والفاسدة.

انتشرت مليشيات من كل الأنواع، وسرعان ما مكّنت من تحملُ منها فكرا أصوليا  نفسها في مدن بنغازي، ودرنة، ومصراتة، وطرابلس، ورغم عددهم القليل نجح السياسيون عبر ميليشياتهم في السيطرة على عملية اتخاذ القرار في أول برلمان منتخب وهو المؤتمر الوطني العام، مستخدمين القوة المباشرة، وعن طريق اقتحام مقر المؤتمر والوزارات. وفي غياب الحكومة الفاعلة أصبح تبذير المال العم أمرا شائعا، ولم يبدِ أحد رؤساء الوزارات أي خجل وهو يصرّح بأن نحو 62 مليار دولار قد تبخرت بكل بساطة!

جلبت الانتخابات الثانية معها الهزيمة للمعسكر الإسلامي، الذي رفض الاعتراف بذلك والنتيجة أن أصبح في البلاد برلمانان في طبرق وطرابلس، واندلعت الاشتباكات في طرابلس التي رافقها حرق المطار. وفي هذه الأجواء تمكن الثوار المناهضون للقذافي سابقا والذين تقودهم الجماعة الإسلامية المقاتلة من الصعود إلى واجهة الأضواء.

لم يكن مفاجئا أن تقود الصراعات الفئوية إلى فراغ في السلطة، وفي الوقت ذاته بدأت ميليشيات كثيرة في التحول نحو شكل من أشكال التطرف، الذي قاد مع مرور الوقت إلى ظهور ميليشيات الدولة الإسلامية التي تجذرت في درنة، وصبراتة، وسرت، وربما لديها خلايا نائمة في كل مدينة وقرية وواحة.

تقليديا تبنى الليبيون المذهب السني المالكي المعتدل، وبالتالي ليس من السهل أن ينجذبوا نحو تفسيرات متطرفة للإسلام وإلى ممارسات وحشية. لكن لشهور عديدة شهدت بنغازي موجة من الاغتيالات اليومية لضباط الجيش والشرطة المتقاعدين وللنشطاء الشباب، وكان ذلك بحق كابوسا مروّعا من الموت والخوف.

في منتصف العام 2014 بدأ الجنرال السابق “حفتر” عملية عسكرية ضد الإرهاب في بنغزي تحت اسم “عملية الكرامة” لكن هذه العملية أصبحت طويلة ووصلت إلى طريق مسدود. وفي ظل وجود الميليشيات المسيطرة على الأحياء المحاذية للبحر وعلى الوسط التجاري للمدينة، استمرت المواجهات بلا هوادة ونتجت عنها حصيلة يومية مؤلمة من القتلى والمصابين ودمار كبير أدى إلى نزوح نحو 70 ألف عائلة من بيوتهم، ويبدو جليا الآن أن حفتر كان في شهور المحنة تلك يكدّس الأسلحة ويجند الرجال من أجل الهجوم النهائي.

جرت الكثير من الأحداث خلال العام والنصف الماضيين تقريبا، فقد تبنت الأمم المتحدة حوارا بين الأطراف السياسية المختلفة، ولم تكن هذه العملية سهلة وواضحة فقد تخللتها الكثير من المناورات وتكتيكات التعطيل. لكن النتيجة النهائية أنتجت توقيع اتفاق سياسي لم يؤت ثماره بعد. مع ذلك، وببطء اجتذبت العملية لها جماعات معينة بما فيها حزب الإخوان المسلمين، وتحالف مصراتة، حيث تخلى الاثنان عن موقفهما المتشدد السابق .

التطور الآخر غيرُ المعلن، لكنه بالأهمية نفسها على المدى البعيد، هو الشقاق الذي حدث بين الثوار الأصوليين المحليين أي بين الجماعة الإسلامية المقاتلة وفرع تنظيم الدولة في مدينة درنة الذي طُرد من المدينة في النهاية، واستُعيدت الإدارة المدنية شبه المدنية. حاليا يتجنب الحكام الجدد لدرنة التدخل في الحياة اليومية للمواطنين، وربما كانوا قابلين أيضا للدخول في حوار سياسي ما. الآن هناك إمكانية لتكرار ما حدث في درنة في عدة مدن أخرى، ويرى بعض المحللين أن نموج انخراط الجماعة المقاتلة في محاربة تنظيم الدولة قد يكون أكثر قبول عند الولايات المتحدة.

من بعيد تشعّ أنوار حكومة الوفاق الوطني وتظل لغزا فارقا في السياسة الليبية الراهنة. وحتى مع تشكيل الحكومات الأوروبية لـ “قوة تمكين” لحماية الحكومة الجديدة في طرابلس، تظل هذه الحكومات مترددة حيال التدخل العسكري في البلاد. حتى الآن حكومة التوافق ليست أكثر من خيال، أعضاؤها لا سلطة لهم وبدون ميزانيات، أو حتى مكاتب يجلسون إليها، فالمجموعات السياسية نفسها التي صادقت على الاتفاق السياسي، فشلت في الاتفاق على عدد الوزراء وأسمائهم. والأسوأ من ذلك هو فشل رئيس الوزراء المكلف، السيد فائز السراج في استغلال المصداقية السياسية التي منحه إياها مجلس الأمن، السلطة الأعلى في العالم.

في تكتم يقوم السيد السراج بزيارات مكوكية لعواصم العالم، لكنه فشل في زيارة مدن ليبيا التي أرهقتها الحرب، وفي كسب دعم الكثيرين من القادة المحليين الذين يعتمد عليهم. باختصار لم يبن السراج قاعدة سياسية يمكن أن يركن إليها عند اللزوم، والأمل الوحيد في أن تصبح هذه الحكومة فعالة، هو في أن يرشدها مندوب الأمم المتحدة في ليبيا، فلكونه ألماني، ربما سيتمكن من استحضار بعض الخطوات التي اتبعتها بلاده بعد تدميرها في الحرب العالمية الثانية.
العاصمة طرابلس التي ستكون مقرا لحكومة الوحدة الوطنية تبدو هادئة في ظل قبضة الجماعة الإسلامية المقاتلة التابعة لعبد الحكيم بالحاج، ولكن الذي لا يُعرف تماما موقفه من هذه الحكومة.
لكن المسرح السياسي الليبي لا يخلو من المفاجآت، ففي الثالث من مارس الحالي قام “هيثم التاجوري” وهو قائد ميليشياوي له سيرةٌ متقلبة، بتوجيه إنذار إلى “غير الطرابلسيين” أي المليشيات الإسلامية لمغادرة العاصمة. وقدم نفسه أيضا كمدافع عن سيادة القانون والأمن في العاصمة، وبهذا يقدم رجاله كحماة لحكومة الوحدة الوطنية، وعلى الفور تقريبا أعلن العقيد “إدريس مادي” وهو تابع لحفتر في المنطقة الغربية عن بدء الاستعدادات للسيطرة على العاصمة. ومع ذلك لماذا إراقة المزيد من الدماء، فبنغازي الآن هي المقر المنطقي الملائم لحكومة الوحدة الوطنية.

بعد طرد الميليشيات يعود البنغازيون بفرح إلى بيوتهم المدمرة، لكن تأخر المجلس البلدي في الاهتمام بأوضاع المدينة قد يقود إلى استياء علني.

لم يتقرر بعد الدور المستقبلي للجنرال حفتر، وقد أعلن من قبل عن نيته لتحرير باقي البلاد من المتطرفين، لكنه يلقى مواجهة شديدة من الميليشيات الطرابلسية والمصراتية ومن السياسيين، وكذلك تُعتبر سنّه المتقدمة عاملا آخر في المعادلة.

لقد أدت عملية تحرير بنغازي إلى زرع بذور انتقام محتمل، لكن يظل هناك أملٌ في أن تتبدد مشاعر العصبية في ظل روح التصالح والتسامح التي عُرفت عن البنغازيين، وكإجراء استباقي تشكلت لجان أمنية وشرطية للدفاع ضد أي أعمال انتقامية.

تبقى العملية السياسية الليبية هشة للغاية كما حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أخيرا، كما يلزم عبورُ العديدِ من الجسور قبل توطين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، بالإضافة إلى أن المجلس الرئاسي غير فعال بسبب قراراته التي تؤخذ بالإجماع وليس بالأغلبية، إلى جانب أن البلاد على حافة الإفلاس.

ورغم أن الدول الغربية ترى أن إرسال قوات عسكرية سيكون ذا كلفة سياسية، إلاّ أن طائرات هذه الدول بدأت بالفعل في استهداف معسكرات الدولة الإسلامية في ليبيا، ولم تنتظر طلبا من الحكومة الشرعية.

الآن وبعد أن استعادت بنغازي سلامَها بدون توريط القوى العظمى، يجب النظر إليها بأنها المدينة التي استعادت حياتها المدنية من براثن الفوضى. لكن الأذى الذي تعرضت له كان مكلفا ويجب أن تقع عملية إعادة إعمال المدينة على عاتق العالم كما حدث مع ألمانيا، وبالتأكيد لا يجب أن تترك هذه المهمة للإدارة الليبية العاجزةِ والفاسدة.

سألتني ابنتي ذات مرة: “ما هي مشكلة ليبيا إذن؟ وما هي عللها الكامنة كما تقولون أنتم معشر الأطباء؟”

أعتقد أن جوهر المسألة يكمن في شقين، الأول: هو انعدام الثقة لدي الجميع، بين السياسيين، وبين الميليشيات المتصارعة، وبين المنطقتين المتنافستين الرئيستين طرابلس وبرقة، وأخيرا انعدام الثقة الكبير في أية حكومة تتمركز في طرابلس. الأمر الثاني هو: أن أغلب من اختارهم فريق الأمم المتحدة لعملية الحوار السياسي تنقصهم الصفاتُ والروح القيادية. وحتى اللحظة استُثني من المشاركة السياسيون الفاعلون الذين يملكون مصداقية على المستوى المحلي، لكن الجوّ السياسي المشحون في ليبيا والمعجون بنيران السلاح يمنع الاختيار المحايد لمثل هؤلاء القادة.

لقد دأب المحللون على التركيز على وجود داعش في ليبيا، مع إطلاق نداءات مترددة بالتدخل العسكري الذي قد يطلقُ عواقب غير منظورة لفوضى إضافية. لكن في راهن الوقت يبدو أن الهرّ كوبلر ومحاوريه الليبيين مأسورون في متاهة من اللقاءات التي لا نهاية لها.

وطالما ظلت القوى الدولية والأمم المتحدة متعامية عن هذه الجوانب سيستمر الوضع في التدهور، والمخرج الوحيد من هذه المتاهة هو التعامل معها بطريقة مختلفة بالكامل! .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمحمد محمد المفتي

عن صحيفة مالطا انديبندنت اون صنديترجمة – خاص 218

 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من قناة 218 الليبية

عن مصدر الخبر

قناة 218 الليبية

قناة 218 الليبية

أضف تعليقـك