اخبار ليبيا الان

بانتظار الهزات الارتدادية

القدس العربي
مصدر الخبر / القدس العربي

من الواضح أن الأمل في وضع حدٍّ لسنوات الاستبداد والقمع الذي تلألأ في مثل هذا اليوم، الخميس 11 شباط/فبراير 2011، والذي أعلن فيه رئيس أكبر دولة عربية تنحّيه عن منصبه تحت ضغط الجماهير التي خرجت تطالب بسقوطه وسقوط نظامه، قد خبا إلى أمدٍ ما على الأقل. لابد من الاعتراف بذلك دون هلع أو يأسٍ أو تردد، لاسيما وأننا نشهد الآن القاع وهو يتجسَّد في سوريا، المرتبطة بثوابت جغرافية وتاريخية مع مصر، التي باتت تحت احتلال قوة عاتية على الصعيد الدولي، روسيا، وقوة شرسة إقليمية، إيران، تحاول تحقيق أحلامها الإمبراطورية من خلال وجودها فيه، احتلال تمَّ بمعرفة وبناء على طلب رئيس نظام عائلي استحوذ على مقدرات البلد جميعها بقوة العنف والأمن وسمح لنفسه توقيع عقد مع روسيا يضع بموجبه تحت تصرفها البلد كاملاً وبطريقة لم يكن ممكناً حتى تصورها في أوج حقب الاستعمار التقليدي خلال القرن التاسع عشر.
نعلم جميعاً أن صدى هذا الحدث الذي انطلق من تونس قد تردد في أرجاء العالم العربي كلها. ونعلم جميعاً، أيضاً، أن هذا الصدى كان واحداً في كل مكان، لكن المآل سوف يتخذ أشكالاً تتمايز باختلاف البلدان التي تردد فيها. وهو اختلاف يطال بالضرورة المسار التاريخي والتكوين الاجتماعي والميراث السياسي. إذ لا تتساوى البلدان العربية في أهمية مواقعها الجغرافية ولا في ثرواتها ولا في تراثها الديمقراطي أو النقابي ولا كذلك، خصوصاً، في الكيفية التي بُنِيَ جيشها والدور الذي أنيط به منذ البداية والذي استمر على القيام به كما رُسِمَ له.
رأينا على امتداد السنوات الخمس الماضية هذه الأشكال واقعاً عياناً. ورأينا الأمل يخبو شيئاً فشيئاً. لا في واحد منها فحسب، بل في معظمها، حتى لا نقول جميعها، كي تُستثنى تونس من هذا التوصيف نظراً لأن العملية الانتقالية فيها، على ما يمكن أن يوجه لها من نقد أو اعتراض، تخطو ـ كما تُرى عن مسافة ـ بثبات في تجربة ديمقراطية حقيقية على الرغم من خضوعها يومياً لمحاولات جرّها إلى معارك جانبية تحرفها عن مسارها بشتى ضروب الابتزاز. هكذا، وكما أن لكل قاعدة استثناء، فإن تونس تؤلف في المشهد العربي المستمر منذ خمس سنوات استثناء من القاعدة التي تتجلى مشاهدها في بلدان الحراك الثوري العربي كافة وفي مقدمتها على وجه اليقين سوريا.
لابد للتساؤل الطبيعي الذي بدأت الألسنة تلهج به بعد أن خبا بريق العينين أن يتناول الآن وغداً: ماذا الآن؟ ماذا بعدُ؟
هل هو حكم بالإعدام أصدره التاريخ على تطلعات شعوب أرهقها الرزوح تحت أثقال الاستبداد والكبت والاستعباد والفساد والخيانة والحياة على هامش الحياة طوال ما لا يقل عن نصف قرن؟ هل هو القصور الذاتي لدى الشعوب الثائرة في إنتاج نخبٍ تضع الأهداف التي أعلنتها خلال أكبر حراك ثوري عرفه العالم العربي خلال قرن على طريق التحقيق مساراً وإنجازاً؟ أم هو الماضي بكل ثقل جوازاته ومحرماته وأيديولوجياته الدينية والعلمانية التي تكبل العقول والأنفس وتحول بينها وبين وضوح رؤية وصحة قراءة الحاضر واستشراف المستقبل؟ أم هي المؤامرات التي ما فتئت تحاك ضد بلدان هذه المنطقة العربية وشعوبها كي تحول دون تقدمها إلى أن تدخل، أخيراً، عصر الحداثة والديمقراطية وتتمتع بالكرامة وبالحرية؟ ولكن، ماذا، مع ذلك كله، وعلى سبيل المثال، عن ملايين البشر الذين يواجهون الموت والدمار والقتل والسجون والتعذيب والتهجير ولا يزالون يأملون بلوغ مأربهم، عاجلاً أم آجلاً، بضرب من يقين لا يمكن أن يملكه إلا من كان في قلب الفعل والحركة كما هو الأمر في سوريا؟
لعل التساؤل الأخير هو الأجدر أن يكون منطلقاً لا لكل إجابة عن التساؤلات التي سبقته فحسب، بل كذلك لاستشراف الآن والغد أيضاً. ذلك أنه لم يكن متوقعاً من الحراك الثوري الذي بدأ في الربع الأول من عام 2011، رغم كل الانطباعات التي استحوذت على المشاعر آنئذ، أن يحقق الأهداف المعلنة بين ليلة وضحاها ولا كذلك أن يتراجع أو أن ينهار. فجدار الخوف سقط في بلدان عالم الاستبداد والفساد ولم يعد من الممكن إعادة بنائه أياً كانت الظروف ومهما أمعن هؤلاء أو أؤلئك في سرقة الفعل الثوري الأصيل. ذلك أنه فعل تاريخي يؤلف في آن معاً منعطفاً ونهاية حقبة. وككل فعل تاريخي، لا يمكن إنجازه، على وجه التأكيد، بالسرعة المأمولة. فما رسخته السنوات الخمسون هنا وهناك في عالم الحراك الثوري العربي لا يمكن أن يتم تغييره في خمس سنوات، مثلما لا يمكن إنجاز البناء البديل، أيضاً، خلال فترة مماثلة. هذا فضلاً عن أن المشهد لا يزال قائماً، هنا وهناك، ولم يجرؤ أحد بعدُ على ولا يمكن لأي أحدٍ مبدئياً أن يعلن النهاية. أي نهاية المشهد القائم الآن. إذ أن خاتمة ما يمكن أن نطلق عليه من الآن فصاعداً العالم القديم، عالم الاستبداد والحكم العائلي المافيوي والجمهوريات الوراثية ـ وهذا هو المهم ـ قد أعلنت قولاً وفعلاً منذ بدايات عام 2011 ولن يعيدها لا القصف الروسي ولا مرتزقة إيران وذراعها اللبناني في سوريا ولا تسليح إيران للحوثيين في اليمن ولا تأجيج الصراع القبلي في ليبيا ولا أي انقلاب عسكري يغريه أن يستعيد على مقام الماضي لحناً بات مكروراً. طالت تلك الخاتمة كل شيء: الحدود التي رسمت قبل قرن، والأنظمة التي جثمت على رؤوس الشعوب عشرات السنين، ومفاهيم أشباه الدول ـ الجديدة ـ التي قامت في مشرق العالم العربي ومغربه. مثلما نزعت الغطاء عن كل ما كان كامناً أو مخفياً أو موؤوداً، وأدّت كذلك إلى طرح مسائل عديدة لعل أهمها مسألة الهوية القومية لشعب حُرم بفعل المصالح الدولية والإقليمية من الاعتراف بلغته وبثقافته وبتاريخه، دون نسيان ضرورة إعادة النظر بكل ما رسخ على مر القرون من موروثات وخرافات تتقنع بقناع الأديان والخلاص من وكلاء للسماء على الأرض قاموا بتنصيب أنفسهم ناطقين باسمها ومُؤَوِّلين لإرادتها.
وعلى أن ذلك كله يتجسَّد عياناً ويتخذ أشكالاً مختلفة في بلدان «الربيع العربي» كافة، إلا أنه يتجلى على نحو أوسع وأشمل وأعمق في سوريا أكثر من أي بلدٍ سواها. لأن العنفَ الذي مارسه النظام الأسدي على شعبه منذ خمس سنوات وشاركه في ممارسته مَن استنفرهم من مرتزقة الدين والمال بعد أن استوردهم من أرجاء الأرض كلها لتنفيذ مآربه والإسهام في الحفاظ على بقائه، ووضع البلاد تحت القصف الأعمى للطيران الروسي، يقدمُ الحالة القصوى التي وصل إليها هذا الحراك مادام لا يزال عاجزاً، عن أن ينال من عزم شعب اختار الموت حراً وكريماً على الحياة عبداً وذليلاً.
لا يمكن لذلك كله أن يعني شيئاً آخر غير أن الزلزال الذي هزَّ الأرض العربية بدرجات متفاوتة القوة والتأثير لن يبقى بعد كل ذلك دون هزات ارتدادية ربما تتجاوز في عنفوانها الهزات الأولى.
من الواضح أن شعوب المنطقة العربية تعيش الآن منعطفاً تاريخياً حقيقياً ـ لا بالمعنى الذي كانت أنظمة الاستبداد تصف به إنجازاتها الخلبية ـ بل بالمعنى الأعمق، لاسيما وأنها لن تكون شاهدة بل فاعلةً ومؤثرةً في التوجيه كما في الإنجاز.
ذلك هو المعنى المنشود. ذلك هو الأمل الآن.

٭ كاتب سوري

بانتظار الهزات الارتدادية

بدر الدين عرودكي

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة القدس العربي

عن مصدر الخبر

القدس العربي

القدس العربي

أضف تعليقـك