اخبار ليبيا الان اقتصاد

الأموال المنهوبة «ليبية» والمساءلة «بلجيكية»

بوابة الوسط
مصدر الخبر / بوابة الوسط

تطورات متسارعة سجلتها قضية الأموال الليبية المجمدة في بلجيكا، والتي تم التصرف في فوائدها بين عامي 2012 و2017، إذ أقر وزير الخزانة البلجيكي، يوهان فان أوفرفيلت أمام البرلمان البلجيكي في بروكسل بأن سلفه ستفان فاناكريه أجاز تحرير فوائد الأموال الليبية المجمدة في مصرف بلجيكي بموجب قرار أممي، في المقابل لا تخفي قوى سياسية وخبراء دهشتهم من الصمت الليبي الرسمي، وإنكار المؤسسة الليبية للاستثمار أي تصرف في هذه الأموال، وكأن الملف «شأن بلجيكي داخلي».. وخلال جلسة استماع في لجنة الشؤون المالية بمجلس النواب البلجيكي، كان اعتراف وزير الخزانة هو السابقة الأولى من نوعها التي يتم فيها «تحميل» مسؤول سياسي صراحة مسؤولية تحرير فوائد الأموال الليبية المجمدة منذ إثارة القضية، بعد أن كانت أصابع الاتهام وجهت إلى وزير الخارجية الحالي ديديه ريندرز، والذي كان سبق أن شغل هو الآخر منصب وزير المالية حتى أواخر 2011.

كان مصرف يوروكلير البلجيكي، نفذ قرار الأمم المتحدة وجمد مبلغ 2.81 مليار يورو من الأموال الليبية، ليتبين بعد ذلك أن مسؤوليه حرروا 300 مليون يورو سنوياً منذ العام 2012 لصالح هيئات ومؤسسات ليبية. لكن تقرير خبراء مجلس الأمن الصادر في بداية شهر سبتمبر الماضي، أكد أن بلجيكا خرقت قرار تجميد الأموال بسماحها بتحريك فوائدها وعائداتها.

وطرح النواب على وزير الخزانة الحالي أسئلة تتعلق بهويات الهيئات والشركات الليبية التي ذهبت هذه الأموال لصالحها والضمانات التي قدمت بشأن استخدامها، في المقابل قال أوفرفيلت إن بلجيكا استندت إلى تأويل خاص من مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي وكشف للمرة الأولى أن دولاً أوروبية أخرى تصرفت في الأموال الليبية، وخص بالذكر ألمانيا وإيطاليا ولكسمبورغ وهولندا.

رسالة بتحرير الأموال
ونوه الوزير البلجيكي أيضاً إلى اجتماع عقده مع رئيس الهيئة الليبية للاستثمار رسمياً يوم 30 مارس الماضي، وقالت المصادر الحكومية البلجيكية إن المؤسسة الليبية للاستثمار تتمتع بعلاقات وثيقة مع بنك «يورو كلير» يمكن أن تفسر جانباً من القضية.
وتفيد المعلومات المتوافرة حاليًا بأن المسؤول المالي في المصرف تلقى رسالة في 4 أكتوبر 2012، تخوله تحرير الأموال، لكن مسؤولية وزير المالية السابق فاناكيريه لا تزال غامضة بعض الشيء، إذ لم يتم التصريح عن الطرف الذي وقع الرسالة.

وقال وزير الخزانة البلجيكي أمام النواب إن بلجيكا لم تأذن إطلاقاً بشكل رسمي بالإفراج عن فوائد الأموال لكنها نشرت توضيحاً يسمح بذلك، وأضاف إنه لا يوجد تأويل أوروبي واحد في التعامل مع الأموال الليبية، وأن عدة تفسيرات ظلت مطروحة، وأقر خلال جلسة الاستماع بأن الأموال المفرج عنها تم «توجيهها» نحو حسابات في البحرين وبريطانيا ولكسمبورغ لصالح المؤسسة الليبية للاستثمار وإلى (لافيكو) فرعها للاستثمارات الخارجية.

وأضاف أن وزارة الخزانة البلجيكية لم تجر أي اتصالات مع السلطات الليبية منذ نشر تقرير خبراء الأمم المتحدة، ولكن مسؤولين في الوزارة اجتمعوا يوم 30 مارس 2018 مع علي حسن محمود رئيس الهيئة الليبية للاستثمار بطلب من الخارجية البلجيكية وأكدوا له تجميد الأموال (وليس الفوائد).

ووصف العديد من النواب أجوبة وزير المالية بـ«غير المقنعة»، متابعين: «لا نزال نعتقد أن ما حصل هو انتهاك صارخ للقرار الأممي»، وفق البرلماني جورج جيلكينه، من تحالف الخضر الذي ينتمي للمعارضة. ورأى البرلماني البلجيكي أن قبول مسؤولي بلاده تحرير فوائد الأموال المجمدة في مصارفها، يُعتبر خطأ جسيمًا. وطلب أعضاء لجنة الشؤون المالية الاستماع لجميع الوزراء والمسؤولين المصرفيين الذين اطلعوا على هذا الملف.

وبعد استماعها لوزير الخزانة، قررت لجنة الشؤون المالية بمجلس النواب البلجيكي مساءلة المدير العام للخزانة السابق، مارك مونباليو، الذي وقع رسالة رسمية يوم 4 أكتوبر 2012 أعطى فيها الضوء الأخضر لبنك يوروكلير للإفراج عن فوائد الأموال الليبية المجمدة. ويقول مونباليو إنه لا يوجد سند قانوني واضح لعدم التصرف في فوائد الأموال الليبية وهو ما دحضه أعضاء فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة الذي زار بروكسل في شهر سبتمبر الماضي.

وسبق لوزير الخارجية البلجيكي، ديديه ريندرس، أن أقر ضمنياً بوقوع تجاوزات في إدارة الأرصدة الليبية المجمدة مقللاً من أهمية المبالغ المعنية، إذ قال ريندرس في تصريح نقلته وكالة «بلغا» للأنباء، إنه لا يمكنه التعليق على المسألة الشائكة المتمثلة في الإفراج عن الفوائد المتولدة عن الأصول الليبية المجمدة من قبل الأمم المتحدة.

وزير الخارجية البلجيكي يقلل من أهمية القضية
وفي الوقت نفسه، قلل وزير الخارجية من أهمية المبالغ التي جرى التصرف فيها، وقال إنها «بضع مئات ملايين يورو من مليارات من الأصول المجمدة، وإنه ضحية اثنين أو ثلاثة برلمانيين يقضون حياتهم في استجوابه في سلسلة كاملة من المواضيع، سواء كان مسؤولاً أم لا»، موضحًا بالقول: «التحقيق القضائي مستمر».

وكان ديدييه ريندرس مسؤولاً كوزير للخزانة عندما نقل الاتحاد الأوروبي مطلب الأمم المتحدة بتجميد الأصول الليبية في العالم عقب اندلاع ثورة 17 فبراير، ووفقًا لديدييه ريندرس، هناك اختلاف في التفسير بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي حول إمكانية فصل الأرباح عن الأصول المجمدة.

وقال ريندرس إنه غادر منصبه في يونيو 2011 كوزير للمالية، وإن المسؤول الذي خلفه هو ستيفتان فانكير في إشارة مباشرة إلى تورط واضح في رفع الحظر عن أرباح الأموال الليبية المجمدة.

وتتزايد الضغوط على الحكومة البلجيكية لشرح سبب تدفق مدفوعات مئات الملايين من اليورو إلى مستلمين مجهولين من الحسابات الليبية المجمدة في بروكسل. ويطالب نواب من المعارضة البلجيكية بأن تجيب إدارة رئيس الوزراء الليبرالي شارل ميشيل عن أسئلة النواب، ومعرفة حقيقة ما جرى ومسؤولية الوزراء المعنيين، ووجهة الأموال الفعلية وهل تم تمويل التشكيلات المسلحة الليبية.

وقالت النائبة الاشتراكية لورات انوكولنكس، إنه لم يتخذ أي قرار بشأن هذه الأموال خلال عضويتها للحكومة في عامي 2011 و2012. وأكدت أن أمر الإفراج والتصرف في الأموال الليبية ربما اتخذه أحد الوزراء، أو موظف كبير، لكن الحكومة السابقة لم تبت في الأمر، ووصفت تطورات المسألة بأنها تحولت إلى «قضية دولة».

وربطت قناة تلفزيونية عامة الأسبوع الماضي بين مدفوعات فوائد الحسابات الليبية في بروكسل وبين شحنات أسلحة موجهة إلى ميليشيات ليبية البعض منها يمتهن الاتجار بالبشر، كما نقلت الإذاعة البلجيكية عن مصدر حكومي بلجيكي قوله إنه جرى تجميد الأصول بأربعة بنوك في العام 2011، لكنه أقر أن «الفوائد والأرباح لم يتم تجميدها، وجرى استعمال ما بين 3 و5 مليارات من هذه الحسابات منذ العام 2012».

أما المؤسسات الأوروبية، فقد نأت بنفسها تماماً عن الأمر، مشيرة إلى أن السهر على تطبيق العقوبات المفروضة على طرف ما يدخل في الصلاحيات الحصرية للدول الأعضاء في التكتل، منوهة بوجود اختلاف في تأويل القرارات الأممية.

صمت رسمي يحاضر القضية
ورغم أن تفاعلات القضية المثارة تمس أرصدة خاصة بالدولة الليبية، إلا أن صمتاً رسمياً يحاصر هذه القضية، مما دعا محللين إلى القول إن ما يحدث تحول إلى «شأن بلجيكي داخلي»، لكن خبيراً مصرفياً ليبياً طالب بضم ملف الأموال الليبية المجمدة في الخارج إلى أجندة اللجنة الدولية المقترحة للتحقيق في أداء مصرف ليبيا المركزي، على خلفية المعلومات التي تشير إلى حدوث تصرف في فوائد الأرصدة الليبية المجمدة في البنوك البلجيكية.

وثار التساؤل على لسان الخبير الذي تحفظ عن ذكر اسمه لـ«أسباب وظيفية»، حول دور ديوان المحاسبة مكلف أيضاً مراجعة حركة هذه الأموال من خلال مراجعة حسابات المؤسسة الليبية للاستثمارات، متسائلاً: «لماذا لم تحدث هذه المراجعات؟». وأوضح الخبير، أن الجهات التي تعود إليها الأموال الليبية في الخارج، هي المؤسسة الليبية للاستثمارات وشركة «لافيكو» والمحفظة الاستثمارية طويلة الأمد والمحفظة الأفريقية، لافتاً إلى أن حالة الانقسام التي تعرضت لها هذه الأجسام في ظل الظروف التي تعيشها ليبيا حاليًاً من شأنها أن تصعب عملية تتبع الأموال التي جرى سحبها في بلجيكا.

وتساءل الخبير، قائلاً: «أين ذهبت الأموال المسحوبة، في حالة ثبت سحبها، وأين صرفت؟، ولحساب مَن؟، خصوصاً أن القانون يمنع أيّاً من الجهات الاستثمارية المذكورة من الصرف منها على المؤسسات الحكومية»، وأوضح أن مسؤولية التصرف المباشر في الأموال الليبية التي يجري الحديث عنها، لا تعود إلى الحكومة البلجيكية، بل إلى بنك «يورو كلير» الأوروبي وهو بمثابة الوسيط الذي تطلب منه الجهات الليبية قيمة الأموال التي تريد سحبها، وهو يتولى عملية السحب ويحتفظ لديه بمستنداتها.

بدوره، أعرب تحالف القوى الوطنية عن استغرابه ومخاوفه من صمت حكومة الوفاق الوطني وإنكار المؤسسة الليبية للاستثمار، التقارير المتعلقة بمصير الأصول الاستثمارية الليبية في مؤسسة يوروكلير، واستند التحالف إلى ما أصدره فريق الخبراء الأممي في سبتمبر 2018 ، في تقرير رفعه إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي، حيث استنتج فيه خرقاً فادحاً لأحكام قرارات مجلس الأمن، مما تسبب في خروج مبالغ ضخمة تمثل مدفوعات الفوائد والأرباح عن السنوات من 2011 – 2017، بشكل خاص. بيان تحالف القوى الوطنية عبر عن أسفه بموقف المؤسسة الليبية للاستثمار التي لم تتقدم بأية توضيحات بالخصوص بعد مضي عام كامل على التحقيق.

كانت المؤسسة الليبية للاستثمار، اكتفت بنفي اختفاء مبالغ مالية من حساباتها وتحويل ودائع من حسابات الأصول المجمدة في بلجيكا بموجب نظام عقوبات الأمم المتحدة العام 2011، ووصفت ذلك بـ«بمزاعم وادعاءات» في بلجيكا». وقالت في بيان رسمي مقتضب الخميس الماضي، بالخصوص «لا يوجد دليل على الإطلاق بأن أي أموال قد استخدمت لتمويل الجماعات المسلحة»، وما تردد هو مزاعم وادعاءات»، مضيفة «لم يستنتج تقرير الأمم المتحدة الأخير أن هناك أي خرق لنظام العقوبات من المؤسسة الليبية للاستثمار». لكن بيان المؤسسة لم يتطرق إلى رد تفصيلي على إعلان مصادر حكومية بلجيكية عن فك الحظر عن فوائد وأرباح الأرصدة المجمدة منذ العام 2012، أو استخدامها في تمويل التشكيلات المسلحة، مكتفياً بعموميات.

ووسط هذا الصمت الرسمي الليبي حيال هذه القضية، إذ لم يصدر أي موقف رسمي من حكومة الوفاق بهذا الشأن، تبقى الأسئلة قائمة حول مبررات هذا الصمت، ومتى سيكون التحرك الحكومي، وأين مجلس النواب مما يحدث؟.. وما هي الجهة التي ستتابع تحقيقات السلطات القضائية البلجيكية في استخدام هذه الأموال لتمويل ميليشيات ليبية مسلحة، بل وربما يتسع السؤال حول ما إذا كانت الأرصدة الليبية المجمدة تتعرض لانتهاكات من هذا القبيل في دول أخرى وسط غياب آلية ضامنة للشفافية وبعيداً عن أضواء الإعلام.

يمكنك ايضا قراءة الخبر من المصدر على موقع بوابة الوسط

عن مصدر الخبر

بوابة الوسط

بوابة الوسط

أضف تعليقـك