ليبيا الان

د. فتحي سالم أبوزخار: الموت في كيمياء السياسية الليبية شرط أم نتيجة؟

ليبيا المستقبل
مصدر الخبر / ليبيا المستقبل

الحياة قد تشبه التفاعلات الكيميائية التي نجمع بعض عناصرها، وقد نضعها تحت ظروف أو شروط معينة، لنحصل على النتيجة المرجوة. وتفاعلنا السياسي قد يكون كيميائيا في الحياة حيث يتم استحضار معطيات محددة وتحت شروط لنجاح التفاعل والوصول إلى نتيجة.. وربما الموت هو الشرط والنتيجة في كيمياء المعادلة السياسية للدكتاتور معمر القذافي.. واكبر دليل على ذلك، وكعينه، مسلسل الموت في شهر رمضان المعظم سنة 1984 وما علمه للدهماء من اتباعه "سير ولا تهتم يا قائد أنصفوهم بالدم!!!“.. أما في كيمياء معادلة انتفاضة 17 فبراير فلا أدري بالضبط هل موت الدكتاتور معمر كان شرطا أم أنتهى كنتيجة لتفاعل هلانتفاضة؟ ما قد يتأكد عندي هو أنني عندما سألت في جلسة نظمتها مؤسسة لا سلام بدون عدالة No Peace Without Justice حول وضع ليبيا على جانب مؤتمر محكمة الجنايات الدولية عقد بهيج في نوفمبر 2013.. هل محاكمة القذافي كانت أفضل من قتله؟ وكانت إجابتي: لو تركت الأمر لعواطفي لوافقت فورا على قتله ولكن لو نظرت لحالة ليبيا اليوم فلربما كان من الأفضل إخضاعه لمحاكمه عادلة!!! للأسف التاريخ يفسح لعواطف الجماهير، قبل عقولها، تنفذ حكم الموت على الطغاة بكل يسر وسهولة.. وربما في ليبيا ساعد المجتمع الدولي، الذي اتفق مع الشعب الليبي، في نهاية صلاحية الدكتاتور معمر. فهل الإمعان في القتل والإسراف في الموت كان بالأمس ومازال اليوم هو شرط تفاعل الممارسة السياسية في ليبيا أم أن الموت هو النتيجة التي يرجوها كل من يمارس ويتلاعب بكيمياء السياسية في ليبيا لفرض آراءه وتوجهاته دينية كانت أم عسكرية أو قبلية وربما جهوية؟

قد يكون الموت سيد الموقف عند الخالق وحده فهو الذي قدمه على الحياة حيث يقول الله سبحانه وتعالى: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ”.. هو سبحانه من يتفرد بخصوصية تقديم الموت على الحياة.. فهل ستعمل كيمياء المعادلة السياسية في ليبيا على أن تكون نتيجتها الحياة الكريمة تحت شرط المحافظة على كرامة الإنسان. وشتان بين ما نقصده من كرامة الإنسان المكرم من عند الخالق وبين ما يدعيه مدحرج براميل الموت على أهلنا ببنغازي ودرنه!!!  

لغة الموت هي المسموعة!!!

مع انتصار انتفاضة 17 فبراير في عام 2011 وبموت الدكتاتور معمر القذافي ظن الكثير بأن نتيجة تلك التفاعلات ستوقف قطار الموت الذي طالما حذرنا منه معمر!!! نعم مع بزوغ ملامح الانتصار على النظام الدكتاتوري بدأ التفاعل مع خطوات التأسيس للانتقال الديمقراطي في عام 2012 بنجاح الانتخابات في 7 يوليو من نفس العام إلا أن هذا أغاض الكثيرين فكانت الاملاءات بالانتهازية لفرض ايديولوجيات وأجندات بل وروج لمفهوم الغنيمة لتختفي من وراءه مليارات من خزينة الدولة الليبية دون رقيب أو حسيب!!! بدأ العقاب لبنغازي بإخراج مسلسل الموت بعد توزيع أدواره على المجرمين والمنتقمين والاستخباراتين والسياسين والمتطرفين وألصقت تقريبا جميع التهم لأصحاب التوجه الإسلامي مع أنهم أبرياء في المجمل إلا أن قبول الأخر ضمن القليل ممن كان متطرفا أعطت الفرصة لتشويه التحول المدني الديمقراطي وسمحت لمحاولة عودة الحكم العسكري من جديد. مع أن الطيف الإسلامي واسع يبدأ من الصوفية والتبليغ إلى الانتحاريين!!! ويسع كل من يؤمن بالمجادلة بالكلمة الحسنة إلى اعتبار كل مخالف لهم مرتد ليضرب عنقه!!! فالقلة القليلة من المتطرفين وظفوا بطريقة بشعة للتمهيد للانقلاب على 17 فبراير والإعلان عن حرب أهلية ثانية. استهلت الحرب بتلميع صورة السيد خليفة حفتر للقيام بدور المنقذ آملين بذلك إعادة تنشيط صورة "الدكتاتور معمر" واستبدالها بالسيد حفتر في أذهان بعض المواليين للنظام السابق وخاصة من أصحاب المصالح. بل ودفع في خط متوازي بتوطين الدواعش في درنه وسرت وجزئيا في صبراته.. وجهت نداءات الموت لدواعش العراق والشام بعد تحجيم دورهم هناك ليجمعوا على مسرح الموت بليبيا ولتنتصر ما بعد النفعية لتنزلهم إلى ظلمات الأرض بعد انتهاء أدوارهم أخذة معها بعض من أغضبهم موت قائدهم "الدكتاتور معمر". وهكذا لغة الموت دائما تجد أذانا صاغية في تحركنا السياسي في ليبيا.. فمن طلبهم حفتر للموت لبوا النداء ومن اشترتهم الدوائر الاستخباراتية، بعد استغلال عوزهم وجهلهم، كانوا في الموعد عند حلبة الموت في سرت… ومن استهواهم حمل السلاح من بعض الفبراريين بات شرطهم الموت في التفاعل مع المعادلة السياسة! أما اليوم فقد تراجع الكثير عن ذلك.

مسلسل الموت باتجاهين متوازيين:

في عام 2011 الكتائب التي كانت بإمرة العقيد البراني اشكال أمرها بالانسحاب قبل دخول المنتفضين إلى طرابلس لينتقم من الدكتاتور معمر الذي قتل قريبه العقيد حسين اشكال، رحمه الله، وليؤجل بتلك الكتائب معركة متأخرة للانقضاض على جميع المتطلعين للديمقراطية والحالمين بدولة العدل والقانون والتبادل السلمي على السلطة.. أعيد تشكيل كتائب البراني من جيد في تشكيليات بطرابلس وكذلك بالمنطقة الشرقية حول بنغازي. يبدأ العقاب بمدينة شرارة انتفاضة 17 فبراير بنغازي برفع راية الموت والاغتيالات.. ليفتح طريق الموت بإعلان السيد خليفة حفتر الانقلاب وتعطيل الإعلان الدستوري.. بدأ الموت بإعلان معادلة الحرب على المدينة وانتهت تفاعلاتها بقصفها بالبراميل المتفجرة.. أدعى حفتر محاربة الدواعش وهو من يحمي ظهورهم بمحاصرة درنة بل حاول غدر شباب درنه وطعنهم في ظهورهم من الخلف بعدما كانت صدورهم تواجه رصاص مرتزقة الدواعش. على شاكلة مرتزقة الدواعش كان لجيش لحفتر منهم نصيب مع العلم بوجود البعض من هم على سجيتهم وربما حركهم الجانب القبلي بالدرجة الأولى أكثر منه قناعتهم بحفتر ومآربه غير المعلنة!!! كذلك كانت الثورة المضادة لـ 17 فبراير في طرابلس فالكثير من جنود البراني وعشاق هدم المدنية بحجة البداوة لبوا النداء إما لاحتلال  طرابلس أو لتدميرها وتحويلها ساحة تناحر وقتال فكان شرط الموت لدخول طرابلس وكان كذلك الموت هو نتيجة للخروج من طرابلس أيضا.

هل استمرارية معاقبة بنغازي ومصراته صدفة؟

بعد أن لعبت مصراته خلال انتفاضة 17 فبراير الدور الهام في إضعاف كتائب القذافي والإبقاء على وحدة التراب الليبي حرص الأعداء على استدراج مصراته لمستنقع الموت في بني وليد وفي غرغور بطرابلس.. كما وحرص على تصوير أن المواجهة بين الدواعش في سرت مقتصرة على مصراته وقبلها كانت المواجهة مع حفتر في البريقة وما حولها. في يوم الجمعة 6 مايو 2016 تمت مواجهات مع الدواعش وقوات من مصراته بعد تفجير انتحاري ببوابة السدادة وتزامن ذلك مع سقوط ثلاثة قذائف هاون، في نفس اليوم، على متظاهرين بساحة الكيش ببنغازي يرفعون شعارات التمجيد للسيد حفتر.. ما حدث من الصعب قبوله على أنه صدفه وبدون تخطيط مسبق. والشواهد على وجود ترتيبات مسبقة ربما تؤكدها النقاط التالية:

 عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن القذائف التي سقطت على ساحة الكيش وربما غياب أي محاولة جادة في التعرف على مصدر تلك القذائف يثير الشكوك.. وهي على غرار الاغتيالات المشبوهة التي تمت ببنغازي ولم تثبت فيها إدانة ضد أي جهة وظهور فجأة السيد حفتر كمنقذ.

 من يحاول إلصاق التهمة بمجلس شورى ينغازي فبالتأكيد تمركزاتهم أبعد من أن تبعث بقذائف هاون تصل ساحة الكيش.

 محاولة السيد عقيلة صالح مطالبة الأمم المتحدة والرأي العالمي الاستماع إلى مطالب المتظاهرين بساحة الكيش والمتمثلة في دعم حفتر وعدم الاعتراف بالمجلس الرئاسي.. دونما إشارة إلى محاسبة من كانوا سببا في اسقاط القذائف الثلاث على المتظاهرين.

 لا يمكن أن يكون التزامن بين ما حصل في مصراته والمسرحية التي تمت بساحة الكيش، مع صدق نوايا البعض في مطالبهم، ولكن الدوافع القبلية والادعاءات الكاذبة التي يصورها الإعلام المؤجور بأن أهالي طرابلس يعيشون في بحبوحة ولا يعانون من نقص في السيولة أو المواد الغذائية ولا مستلزمات طبية والمتظاهرين فقط في بنغازي من يعانون من هذه النواقص شجع على التظاهر ضد المجلس الرئاسي!!!

 ظهور إشاعات كاذبة عن اغتيالات بطرابلس.. لإكمال سبناريو مصراته بنغازي مع طرابلس.

توجد تكهنات قد ترقى لتكون قرائن على أن هناك تنسيق بين السيد حفتر والدواعش، بصورة نفعية، في ليبيا مما يعاضد احتمالية السيناريو الرابط بين هجوم الدواعش على مصراته وبين افتعال التظاهرة بساحة الكيش ورميها بالقذائف ويمكن تلخيصها في الأتي:

 الاغتيالات في بنغازي سجلت ضد مجهول بالرغم من أنها تجاوزت أكثر من خمسمائة (500) شهيدا وربما الدافع الواضح لهذه الاغتيالات هو فتح الطريق أمام السيد حفتر لينقلب على السلطة ويعلن حربه على الإرهاب وبصيغة المبني للمجهول!!!

 طعن السيد حفتر شباب درنة في ظهورهم وهم يتصدون لمحاربة داعش بل وقصفهم بالطيران.

 سقوط قذائف وسط متظاهرين داعمين لحفتر وضد المجلس الرئاسي وبدون أن تعلن، ولن تعلن، أي جهة مسؤوليتها عن ذلك مدعاة للشك في نوايا المنظمين لتلك التظاهرة.

 انسحاب الدواعش، بعد طردهم، من درنه لمسافة لا تقل عن ثمانمائة (800) كيلومترا للوصول إلى سرت بعد المرور على تمركزات لكتائب حفتر دون أن تطلق رصاصة واحدة عليهم!!!!

 اقتصر هجوم الدواعش وعملياتهم العسكرية على الناحية الغربية لسرت دون تنفذ ولو عملية واحدة على المنطقة الشرقية التي يسيطر عليها حفتر.!!!

 ما حدث في ساحة الكيش يذكرنا، مع اختلاف المنفذ، بسيناريو الموت في طرابلس باستدراج متظاهرين لغرغور وتوريط بصورة أو أخرى بعض شباب من مصراته، بعد أن صدق البعض بأنهم القحوص الجدد، في صدام مسلح وكادت أن ينجح الانقلاب على مصراته لولا تدخل العقلاء من مصراته وسحب فتيل الحرب التي كادت أن تشتعل بين مصراته والطرابلسيين.

ما بين صناعة الموت والحياة:

حتى تاريخ اليوم وبعد انتصار 17 فبراير.. صناعة الموت هي المنتصرة وتفاعلات الحروب الأهلية أكبر شاهد على ذلك.. صار الموت هو الشرط لتمرير أي أجندة بل وصار الموت موضوع على خرائط المراهقين السياسيين ليكون النتيجة أيضا.. بينما صناع الحياة الوطنيين هزموا أمام ترسانة مصاصي الدماء وخزائنهم التي لا تنقص من اليورو والدولار.. جميع مشاريع صناعة الموت ممولة من ليبيا وبرعاية خارجية.. فلا نستغرب بأن الحرب المعلنة من المجلس الرئاسي سيمولها الأخر، برفع الحضر على أرصدة ليبيا بالخارج، وستكون الأجراءات أسهل من توفير الأموال للخبز وحليب الأطفال وتطعيماتهم!!! صحيح ربما ممارسة القتل مفروضة على الليبين والليبيات للقضاء على الدواعش..  ولكن هل يمكننا أن نحلم ولو لوهلة لبرهة.. بوجود أسلوب أخر غير صناعة الموت للقضاء عليهم؟هل فكر أي أحد في مفاوضت الليبيين منهم؟! لماذا لا نتجه لصناعة الحياة؟ ونجهز أنفسنا لرحلة الموت الحقيقية ومقابلة الحق سبحانه بانحيازنا لأحياء النفس بدلا من قتلها وممارسة فعل الموت ضدها: "من قتل نفس بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" تحييا ليبيا حرة… تدر ليبيا تادرفت.

أ. د. فتحي سالم أبوزخار
 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا المستقبل

عن مصدر الخبر

ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل

أضف تعليقـك