ليبيا الان

خمس سنوات على مقتل بن لادن: هذه هي تركته

ليبيا المستقبل
مصدر الخبر / ليبيا المستقبل

يمثل تركيز الأجهزة الأمنية والعسكرية الدولية على الشخصيات القيادية للتنظيـمات الإرهابية مشكلا في إستراتيجيات تعاملها مع ظاهرة الإرهاب بشكل عام. فقد سقطت تلك الأجهزة في فخ إعلامي نصبته الحركات الجهادية بأن صورت الجرائم الإرهابية ملتصقة بشخصيات بعينها، حتى أن التخلص منها يعد لدى الرأي العام تخلصا من الإرهاب ككل، والواقع غير ذلك تماما، فقد قتل بن لادن مثلا ولكن إرهاب القاعدة زاد وتوالد وأصبح أكثر وحشية بأسماء أخرى، وذلك حسب مركز ستراتفور الأميركي للبحوث.

العرب اللندنية: تمتلك الحركات الجهادية في العالم قوة للبقاء تتماشى مع طبيعتها المرنة، وهي أن كل عنصر جهادي يملك في داخله مخططا كاملا عن كيفية قيامه بإنشاء خلايا جهادية أخرى في حالة انعزاله عن الخلايا الأخرى. ويعود ذلك إلى قوة تكوين أيديولوجية مكنته آلة الاستقطاب الجهادية من تملكها وهي بذلك آلية ذاتية ومتجددة للمناعة من الاندثار، وهذا ما يجعل التفكير في ضرورة القضاء على الأيديولوجيا المتطرفة ضرورة أساسية في مقاربات الحرب على الإرهاب. إذ أكد العديد من المراقبين أن تنظيم القاعدة مثلا يعد مثالا على توالد التنظيمات الجهادية بمعزل عن القيادات، فبعد خمس سنوات من موت أسامة بن لادن، الذي قتل في بداية مايو سنة 2011، لا تزال الجماعات الإرهابية الجهادية تنشط وبوتيرة أعنف وانتشار أكبر.

وقد أحرزت الحركة الجهادية تقدما هو الأقرب إلى رؤية بن لادن للعالم في السنوات الخمس الماضية يفوق ما كانت عليه خلال السنوات العشر التي امتدت ما بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومقتل بن لادن، فحاليا أصبح قوس الجهاد يمتد من غرب أفريقيا عبر الشرق الأوسط وصولا إلى جنوب شرق آسيا. وهذا ما دفع عديد الخبراء إلى التأكيد على أن التركيز على الشخصيات القيادية للتنظيمات الإرهابية سوف يغفل الحكومات عن الغابة، وهي الحركة الجهادية في العالم.

استمرار الإستراتيجية

كان بن لادن يتطلع إلى عالم يحكمه خليفة مسلم يعمل بمبادئ الشريعة الإسلامية. ولتحقيق تلك الغاية كان يتصور ضرورة إقامة سلسلة من الإمارات الإسلامية تطبّق "الإسلام الحقيقي" الذي من شأنه أن يتوسع في النهاية ليصبح خلافة عالمية. وحتى وفاته حافظ بن لادن على فكرة أن الجهاديين ينبغي أن يركزوا في المقام الأول على مهاجمة ما سماه الأعداء البعيدين، وهم الولايات المتحدة و"حلفاؤها الصليبيون الأوروبيون". وأعرب عن اعتقاده أنه إلى أن يتم طردهم من العالم الإسلامي، سوف يكون من المستحيل إقامة مثل هذه الإمارات لأن الولايات المتحدة وحلفاءها سوف يطيحون بالقادة الذين يتبنون “الإسلام الصحيح"، كما فعلوا مع الملا محمد عمر وطالبان في أفغانستان. بالإضافة إلى ذلك، في حال لم يتم وضع حد للأعداء البعيدين، فإنهم سوف يستمرون في دعم الحكومات "المرتدة"، مثل تلك الموجودة في المملكة العربية السعودية وباكستان، التي لم تشارك بن لادن تفسيره للإسلام.

تركز استراتيجية بن لادن على استخدام الهجمات الإرهابية المذهلة لدفع الولايات المتحدة إلى غزو العالم الإسلامي. وأعرب عن اعتقاده أنه بمجرد غزو الولايات المتحدة سوف يضطر المسلمون للانضمام إلى الجهاد الدفاعي لمحاربة "الجيوش الصليبية" في حرب استنزاف طويلة. ويعتقد بن لادن أن هذا الإجراء من شأنه أن يؤدي إلى انهيار الاقتصاد الأميركي والحكومة بنفس الطريقة التي يعتقد أن الجهاد في أفغانستان عجّل بها في انهيار الاتحاد السوفييتي، وفي إطار هذه الخطة بمجرد هزم الولايات المتحدة وحلفائها سوف تندلع انتفاضات محلية تكون قادرة على إسقاط الحكومات الفاسدة في العالم الإسلامي، مما يمهد الطريق لصعود الخلافة العالمية.

جلب الاستعمار

لم يستفز بن لادن وهجمات القاعدة ضد الولايات المتحدة – مثل هجمات عام 1993 على مركز التجارة العالمي، وتفجير السفارتين في شرق أفريقيا عام 1998، وفشل مؤامرة للتفجير خلال الألفية – الولايات المتحدة للرد بقوة. ولكن لا شك أن هجمات 11 سبتمبر كانت قد ضربت على الوتر الحساس، ما دفع الولايات المتحدة إلى غزو أفغانستان في عام 2001، والإطاحة بحكومة طالبان.

وكان الرد الأميركي عنيفا وسريعا، ما دفع عددا كبيرا من مقاتلي تنظيم القاعدة والجهاديين الأجانب الآخرين إلى الفرار من أفغانستان، فاستقر كثير منهم في مناطق البشتون الحدودية في باكستان، بينما هرب البعض الآخر إلى ملاذات أخرى في المنطقة، وانتقل أبومصعب الزرقاوي وأتباعه إلى شمال العراق، وهي منطقة ينعدم فيها القانون. لكن الولايات المتحدة الأميركية المنكوبة لم تكتف بذلك؛ ففي عام 2003 قامت أميركا بغزو العراق والإطاحة بنظام صدام حسين الذي لم تكن له أي صلة بهجمات سبتمبر، فكان ذلك الخطأ الفادح فرصة ليكون العراق جنة للجهاديين.

وفي الوقت الذي شهدت فيه أفغانستان ركودا نسبيا في الحركة الجهادية تم النظر إلى العراق على أنه قلب العالم الإسلامي، وبالتالي فهو مكان مغر للباحثين عن خوض تجربة الجهاد الدفاعي كما يسميه بعض منظري الحركات الجهادية الإرهابية. ومن العوامل المساعدة على ذلك أن العراق يقع بين إيران وسوريا، وهما بلدان معاديان للولايات المتحدة، وبالتالي يمكنهما مساعدة الجهاديين في جهودهم الرامية إلى استنزاف الولايات المتحدة وقيادة قواتها في المنطقة. سرعان ما أصبح العراق نقطة جذب للجهاديين، وبسبب إغراء الأموال التي أصبحت تتدفق إليهم اختار عدد من المقاتلين الأجانب السفر إلى هناك، ليفوق عددهم أولئك الذين توجهوا في السابق إلى أفغانستان. هذا التدفق للرجال والأموال ساعد على صعود نجم أبومصعب الزرقاوي الذي اختار إدماج جماعته ("جماعة التوحيد والجهاد") في تنظيم القاعدة، ولكن هذا الإدماج لم يكن مستقرا منذ البداية.

اعتمدت الجماعات الجهادية الأخرى فكر تنظيم القاعدة وحتى علامتها التجارية، وسرعان ما كونت لنفسها فروعا في المملكة العربية السعودية واليمن والجزائر وجماعات متعاطفة معها أو منحازة إليها في الفلبين وإندونيسيا والصومال ونيجيريا. وانتشرت الخلايا القاعدية والمهاجمين المنفردين (الذئاب المنفردة) في جميع أنحاء العالم، فقامت بعض الجماعات بشن هجمات في أماكن مثل بالي ومدريد ولندن. ولكن في الغالب لم يُحدث الجهاديون أي تقدم ملموس، وهم يكافحون لمجرد إثبات أنهم مازالوا موجودين. وكانت الأماكن التي بإمكانهم التواجد فيها والنشاط هي البرية أو تلك التي لا تسيطر عليها الحكومات، مثل الحدود بين أفغانستان وباكستان والصومال وصحراء الساحل في أفريقيا واليمن، والأرخبيل الإندونيسي وأيضا الأرخبيل الفلبيني. ورغم أن جماعة الزرقاوي كانت قد أعلنت إقامة “دولة إسلامية في العراق” بعد أشهر قليلة من وفاته في عام 2006، إلا أن هذه الجماعة تعرضت، بحلول عام 2010، إلى أضرار جسيمة جعلتها تواجه خطر الإبادة، لكن في عام 2011 كانت على وشك تحقيق تغيير جذري.

ربيع الإرهاب

من ناحية أولى كانت الولايات المتحدة في طريقها إلى سحب جميع قواتها من العراق بحلول شهر ديسمبر عام 2011. ومن ناحية ثانية أشعلت الاحتجاجات ضد النظام في تونس في ديسمبر 2010 فتيل انتفاضة إقليمية كبرى وعميقة، سُميت في وقت لاحق بـ”الربيع العربي”. وأدت موجة الاحتجاجات إلى سقوط أنظمة زين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، وعلي عبدالله صالح في اليمن، ومعمر القذافي في ليبيا، لكنها أدت أيضا إلى حروب أهلية في ليبيا، وسوريا واليمن ومالي، أما في بلدان مثل تونس ومصر فقد مكن سقوط الأنظمة الحاكمة بتلك الطريقة الجماعات الجهادية من تكوين مجال للحصول على موطئ قدم والنمو.

ولكن في معظم هذه الدول، لم يوح "الربيع العربي" بقبول الفكر الجهادي بقدر فشل جهود الإصلاح الديمقراطي وتكوين مجتمع مدني وسياسي قوي وقادر على الاستجابة للشارع، ما أدى إلى لجوء العديد من الشباب إلى أحضان الجهاديين. وما ميز فترة ما بعد الانتفاضات هو عدم قدرة الحكومات الانتقالية على معالجة الوضع بمنطق جديد، فبقيت القوانين والإجراءات هي ذاتها التي كانت في السابق، وحتى التعامل الأمني بقي على الوتيرة نفسها، فعندما يتم الرد على الاحتجاجات السلمية بالعنف من الصعب ضمان استمرار المحتجين في اعتماد السلمية، وهذا ما حدث في سوريا وليبيا واليمن وحتى العراق، حيث قابلت السلطات الشيعية احتجاجات السنة بالعنف، ووفرت هذه الدوامة من العنف منجما من الذهب لتجنيد الجماعات الجهادية.

كل هذه العوامل كانت بمثابة تشكيل لحالة من عدم الانتصار بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها؛ فقد تدخل هذا الحلف الغربي إلى جانب الحشود في ليبيا وساعدها على سحق الجيش النظامي في ليبيا، ما أدى إلى دخول البلاد في حالة من الفوضى، كما اندلع قتال على طول الخطوط الإقليمية والقبلية والدينية والعرقية. أما في سوريا فقد ساعدت الولايات المتحدة وحلفاؤها القوات المناهضة للحكومة بالتجهيزات والتدريبات، ولكن لم تتدخل بشكل مباشر على غرار ما حصل في ليبيا. ومع ذلك، سقطت سوريا في نفس الحالة من الفوضى، واستفاد الجهاديون من الحرب الأهلية الناتجة عن ذلك، فأصبحت سوريا بمثابة جائزة كبيرة للجهاديين، واندلعت معركة مريرة حول من يسيطر على الحركة الجهادية هناك، ما أدى إلى عمل الدولة الإسلامية على كسر شوكة تنظيم القاعدة هناك وانخراط الجانبين في قتال مفتوح.

عالمية الجهاد

في النهاية، استشرى هذا الانقسام على الصعيد العالمي، في ظل تنافس كل من الدولة الإسلامية والقاعدة على القيادة، والسيطرة الأيديولوجية على الحركة الجهادية. ففي ليبيا والصومال وأفغانستان تحوّل هذا الصراع من معارك أيديولوجية إلى صراع مسلح، وهذا ما يوحي في نواح كثيرة من هذا الصراع بالمعارك التي دارت سابقا بين منظري الماركسية ومنظري الماوية لقيادة العالم الشيوعي، ومن الصعب أن نرى نهاية لصراع الدولة الإسلامية مع تنظيم القاعدة، ونحن نشك في مزاعمهم بأنه في استطاعة التنظيمين تصحيح خلافاتهما.

يميل الناس والحكومات إلى التركيز على شخصيات مثل بن لادن وأبي بكر البغدادي، وجماعات مثل القاعدة والدولة الإسلامية. وفي الواقع تكافح الحكومات في مواجهة أهداف لم تتبلور بعد، مثل الحركات والإيديولوجيات، ولكنْ هناك خطر يتمثل في أن التركيز على الأشجار (الأفراد والتنظيمات) يمكن أن يفوّت مسألة معالجة الغابة ككل (أي الحركة الجهادية برمتها). وبالتأكيد، يجب على الحكومات الاستمرار في استخدام كل أدوات مكافحة التمرد والإرهاب ضد هذه الجماعات الجهادية وقياداتها. وسوف تستمر الحركة الجهادية الأوسع، سواء داخل القوس الجهادي أو في أجزاء أخرى من العالم، في تهديداتها الإرهابية حتى يتم هزم الأيديولوجيا الجهادية، على غرار ما تم مع الماركسية والماوية. وسوف يتطلب هذا الصراع قيادة أميركية قوية وتعاونا مع مجموعة من الحلفاء والتحالفات الإقليمية.

رغم الصراع الداخلي بين الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة إلا أن الحركة الجهادية أكبر منه، وهي الآن تلقي بظلالها على نطاق أوسع مما كانت عليه في أي وقت مضى. وقد تجاوز عدد المقاتلين الأجانب الذين تدفقوا إلى سوريا وليبيا وأماكن أخرى في السنوات الأخيرة عدد المقاتلين الذين هاجروا للجهاد في العقود الماضية، وقد أكد الباحث السويدي في الحركات الجهادية أرون لوند أن “المعارك بين القاعدة وداعش اليوم مثلت في ذاتها سببا لتشكيل جيوش جهادية موجهة للتصفية الإيديولوجية الداخلية وترجيح القوة لصالح داعش كحركة أكثر أصولية”.

تحقيق حلم بن لادن أصبح أقرب من أي وقت مضى، ولكن رؤية الجهاديين الطوباوية لمجتمع عادل وآمن تحت حكم الشريعة لا تزال فكرة جذابة خاصة للمسلمين الذين يعيشون في ظل الديكتاتورية والفساد أو الفوضى كحالة أفغانستان بعد سقوط إدارة محمد نجيب الله. ومع ذلك، هذه الطوباوية تتلاشى بسرعة بمجرد أن تصطدم بالواقع. الناس الذين عاشوا تحت حكم الجهاديين في أفغانستان واليمن ومالي وليبيا والصومال وسوريا تعلموا أن الظلم والفساد لا ينتهيان في المجتمع الجهادي، هما يأخذان شكلا جديدا فحسب. وقد أثبتت الأنظمة السياسية الجهادية أنها لا تحظى بشعبية وهي قصيرة الأجل، وأن الحلم الجهادي بخلق إمارات إسلامية دائمة هو وهم أكثر من أن يكون شيئا عمليا.

في النهاية، سوف يكون مكان الشكل الحديث للجهاد الذي ساعد بن لادن في رعايته ونشره في مزبلة التاريخ إلى جانب إيديولوجيات فاشلة أخرى. ولكن حتى يحدث ذلك سوف يستمر الجهاديون في القتل والتدمير، مثل الكثير من الفوضويين والإرهابيين الذين سبقوهم. وسوف يكون الموت والدمار اللذان سوف يخلفهما الجهاديون هما الإرث الحقيقي لبن لادن.

 

خمس سنوات على مقتل بن لادن: هذه هي تركته

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا المستقبل

عن مصدر الخبر

ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل

أضف تعليقـك