اخبار ليبيا الان

جريدة لندنية : الصادق الغرياني مفتي ليبيا الذي يحلل جرائم الإرهاب ويحرم الحج

شيخ يلقب بـ”مفتي قطر” في ليبيا يعرف بخطابه التكفيري الذي يشيد بالجماعات المتطرفة ومواقفه المتناقضة.

 

بزيه التقليدي الليبي يطل مفتي حكومة “الوفاق” الصادق الغرياني على مُلكه أسبوعيا عبر قناة تلفزيونية محلية مع أنها تبث من تركيا. يبدو البرنامج في الظاهر محاكاة للبرامج الدينية الموجودة في أغلب الفضائيات العربية التي تخصص للإجابة عن استفسارات المشاهدين في ما يتعلق بالجانب الديني، لكن الشيخ يتخذه كمنبر لبث الفتنة ينادي من خلاله: حيّ على قتال الليبيين.

 

يتقمص الغرياني البالغ من العمر 77 عاما، في برنامجه دور المحلل السياسي وفي الأثناء يوظف صفته كمفت لإطلاق فتاوى تحرض على قتال خصومه، لـ”نصرة الدين” و”حماية الثورة والديمقراطية والدولة المدنية”.

 

من النادر أن تمر حلقة دون أن يهاجم فيها قائد الجيش المشير خليفة حفتر الذي يصفه بـ”الطاغية” و”عدو الثوار”، حتى أنه في أكثر من مرة أهدر دمه. ومع ذلك يجزم الليبيون أن مشكلة الغرياني ليست مع حفتر وإنما مع قيام مؤسستي الجيش والشرطة ما من شأنه إنهاء حالة الفوضى التي تشهدها البلاد والقضاء على الميليشيات التي تشكل أذرعا عسكرية لتيار الإسلام السياسي بمختلف ألوانه.

 

حظي الغرياني الذي بات يلقبه البعض بـ”المفتن الدجال” بشعبية بالغة إبان أحداث الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، عندما وقف في صف المعارضة، فأصدر فتاوى من مقر إقامته في الدوحة بضرورة الجهاد لإسقاط “الطاغية”.

 

ثمن الشعبية

شارك بقوة في الحرب الإعلامية الموازية لمعارك الإطاحة بالقذافي العسكرية، بهدف تأجيج غضب الشعب الليبي والعالم، فكانت له عدة مداخلات على قناة “الجزيرة” اتهمت النظام بارتكاب جرائم لم يجد لها الليبيون أي أثر بعد سقوطه.

 

وتتسم مواقف الغرياني من التدخل الأجنبي بالتناقض. ففي حين كان يصف طائرات حلف شمال الأطلسي في 2011 بـ”طيور الأبابيل” التي جاءت لإنقاذ الليبيين من جبروت القذافي ويصمت إزاء الوجود العسكري الإيطالي في مصراتة، يهاجم الدول العربية والأوروبية الداعمة للجيش ويصفها بـ”عملاء إسرائيل”.

 

ويعرف الشيخ بخطابه التكفيري المشيد بالجماعات المتطرفة التي ينفي عنها دائما صفة الإرهاب إذ قال في تصريحات سابقة “لا يوجد إرهاب في ليبيا، ويجب ألاّ تطلق كلمة الإرهاب على أنصار الشريعة، فهم يَقتُلون ولهم أسبابهم، من مات منهم فهو شهيد”.

 

مفتي قطر

ويطلق الشارع الليبي صفة “مفتي قطر” على الغرياني وذلك لدفاعه المستمر على تدخل الدوحة في الشؤون الداخلية لليبيين وتهجمه على رافضي ذلك التدخل الذين وصفهم بالكلاب عندما قال “من لا يشكر قطر فهو أقل من الكلب”.

 

ضغط الغرياني لتأسيس دار الإفتاء بعد سنة من الإطاحة بالقذافي فأصدر المجلس الوطني الانتقالي برئاسة المستشار مصطفى عبدالجليل القانون رقم 15 لسنة 2012، الذي شرعن لعودة مؤسسة دار الإفتاء ومنصب مفتي ليبيا، وكُلِّف الغرياني برئاستها، وأثار هذا القانون جدلا واسعا حينئذ وسط اتهامات بوقوف قطر التي كانت يومها عبر ضباطها ومخابراتها وبواسطة أتباعها الحاكم الحقيقي في طرابلس، خلف تعيينه.

 

ورغم معارضة رابطة علماء ليبيا للقرار الذي اعتبرته يفتح الباب لتفرد الغرياني بقرار الإفتاء إلا أن صوتها لم يجد آذانا مصغية ولم تتم إقالة الغرياني إلا في نوفمبر 2014 من قبل مجلس النواب الذي قامت الميليشيات بطرده خارج طرابلس بعد هزيمة الإسلاميين في الانتخابات التشريعية التي جرت في نفس العام.

 

وانتقد رجال دين في ليبيا القرار الذي قالوا إنه يعطي صلاحيات واسعة وحصانة قضائية للمفتي من المقاضاة أمام القضاء، لكن المادة الأكثر جدلا كانت تلك التي تمنع مناقشة الفتاوى الصادرة عنها في وسائل الإعلام، وهو ما اعتبر تعديا على حرية التعبير.

 

 

وينص القانون 15 لسنة 2012 على أن دار الإفتاء مؤسسة حكومية، منح رئيسها الدكتور الصادق الغرياني مزايا منصب رئيس وزراء. كما تتلقى دعمها وتنفق على نشاطاتها من المال العام، مقابل قيامها بواجبات أهمها الإشراف على الشؤون العلمية للإفتاء وإعداد الخطط اللازمة لتنظيمه والنهوض به بالتعاون مع علماء الشريعة. كما من مهامها تحديد ثبوت الأهلة وبداية الشهور القمرية التي تتعلق بها أعياد المسلمين وعباداتهم وتقديم الفتوى والرأي والمشورة في الأمور التي تعرض عليها في ما يتعلق بالمسائل اليومية.

 

تحريم الحج

وانطلق الغرياني في إصدار فتاواه المسيسة وهو ما كشف لأنصار الدولة المدنية الذين انخرطوا بقوة في إسقاط نظام القذافي أنه لم يكن يناصر “الثورة” بل كان يمهد لسيطرة الإسلاميين على البلاد. ومن الصعب حصر الفتاوى الغريبة للصادق الغرياني لكن أبرزها الفتوى الأخيرة التي أصدرها بحرمة تكرار الحج والعمرة.

 

ونصح كل من يريد الحج أو العمرة، أن يدفع الأموال للميليشيات المسلحة في بلاده، من أجل قتال الجيش الليبي الذي يحاول منذ أكثر من شهر انتزاع العاصمة من المجموعات المسلحة.

 

الليبيون يعرفون أن مشكلة الغرياني ليست مع حفتر، وإنما مع قيام مؤسستي الجيش والشرطة ما من شأنه إنهاء حالة الفوضى التي تشهدها البلاد

 

فتوى الغرياني الغريبة التي أثارت الاستهجان والسخرية، تضاف لسابقاتها من فتاوى التضليل، فقد دعا من قبل لإخراج زكاة المال للميليشيات.

 

وقد تدخلت تلك الفتاوى في اختصاصات جهات تشريعية وتنفيذية، كفتوى عدم جواز التجمهر الاحتجاجي ضد السلطة التي كان يمثلها المؤتمر الوطني حينئذ، ودعوته الناخبين إلى عدم انتخاب العلمانيين وفتوى قتل الجيش والشرطة ممن يشملهم وصف البغاة الذي حددته دار الإفتاء، وكذلك فتوى عدم صحة زواج الليبية من غير الليبيين.

 

ويقول بعض المراقبين للشأن الليبي إن دار الإفتاء بعد أن تحولت إلى طرف سياسي له وجهة نظر من ذات السلطة التي تعتبر إحدى مؤسساتها، ومن بعض مكونات العملية السياسية، تعالت الأصوات التي تطالب بعزل المفتي وإعادة تشكيل دار الإفتاء، ولكن القرار الذي أصدره مجلس النواب في نوفمبر 2014 لم ينجح في إقالة الغرياني الذي مازال مفتيا تابعا لحكومة “الوفاق” في طرابلس التي ادعت طيلة السنوات الماضية محاربته.

 

 

السراج يحلّ دار الإفتاء

 

في يونيو 2017 قامت حكومة السراج بإقفال دار الإفتاء ومصادرة محتوياتها، وهو القرار الذي دفع بالغرياني للفرار إلى تركيا وجاءت تلك الخطوة عقب أكثر من سنة على دخولها إلى طرابلس بعد توقيع اتفاق الصخيرات، لكنها أبقت عليه مفتيا للبلاد رغم مهاجمته لها مرارا.

 

وشن الغرياني هجوما عنيفا على الحكومة عقب دخولها إلى طرابلس وقال إنها “لم تفلح في أي شيء إلا في الاقتحامات والسطو والبلطجة”، منتقدا إصدارها “بيانات تهادن حفتر ومن يقاتلون معه من الفرنسيين والأجانب”.

 

وارتبط موقف حكومة “الوفاق” التي ينظر إليها كواجهة منمقة لإخوان ليبيا من المفتي بخسارة الميليشيات المحسوبة على حكومة خليفة الغويل لمواقعها في طرابلس، وأيضا بالخلافات التي هزت تيار الإسلام السياسي في العامين الأخيرين، بشأن الموقف من إشراك حفتر في التسوية السياسية.

 

فالإخوان المعروفون بمواقفهم البراغماتية اقتنعوا بأن حفتر بات رقما صعبا من المستحيل تجاهله، لذلك عدلوا من خطابهم بشأنه، في حين تمسك التيار المتطرف الذي يسمى محليا بتيار المفتي نسبة إلى الغرياني بضرورة استبعاده وعدم السماح له بالمشاركة في الحكم.

 

أوكلت حكومة الوفاق مهمة محاربة تيار المفتي في طرابلس لميليشيا الردع بقيادة عبدالرؤوف كارة ذات المرجعية السلفية. واشتدت المعركة بين الطرفين خلال السنة الماضية عندما نفذت ميليشيا الردع حملة اعتقالات واسعة شملت قيادات ميليشيات قاتلت الجيش الليبي في بنغازي.

 

وحرّم الغرياني تلك الحملة قائلا “القرار حرام لا يجوز حيث يعطي صلاحيات واسعة لبعض من وصفها بالميليشيات لتقتحم وتقتل وتنتهك الحرمات وتصادر الأموال تحت مسمى مكافحة الارهاب”، لكن معركة تحرير طرابلس كشفت سطحية تلك الخلافات التي سرعان ما اختفت بمجرد الإعلان عن عملية تحرير طرابلس، ليعود التيار الإسلامي للتحالف من جديد.

 

 

منى المحروقي – العرب اللندنية

صحافية تونسية

 

عن مصدر الخبر

جريدة العرب اللندنية

جريدة العرب اللندنية

أضف تعليقـك