اخبار ليبيا الان

بقلم كامل المرعاش | الغنوشي ومساحيق إيف سان لوران !

زيارة راشد الغنوشي شيخ حركة النهضة التونسية الاخيرة الى باريس، احدثت جدلا واسعا في الأوساط السياسية والاعلامية الفرنسية. مما جعل العديد من الصحف والمجلات والمواقع الاجتماعية تنبش تاريخ الرجل، لكشف تاريخه ومسيرته الأيدلوجية والسياسية، وتقييم مستقبل حركته ” النهضة” التي أصبحت بعد “ثورة الياسمين” واسقاط غريمه زين العابدين بن علي عام 2011، جزءا من هرم السلطة التونسية ودولاب الدولة ودواوينها ومجالسها البلدية. شيخ النهضة راشد الغنوشي واسمه الحقيقي راشد محمد الخريجي (ولد في 22 يونيو 1941 بالحامة في ولاية قابس). وينحدر راشد الخريجي، من اسرة فلاحية بسيطة من منطقة الحامة في ولاية قابس. وتقول سيرته الذاتية، انه حصل على منحة دراسية من حكومة بورقيبة عام 1964 للدراسة بتخصص الزراعة في القاهرة بمصر قبل ان ينقل الى جامعة دمشق بسوريا، وتحصل منها على إجازة الفلسفة عام 1968.

في عام 1967 باشر شيخ النهضة راشد الغنوشي في صقل أيدولوجيته السياسية من خلال التضامن مع شخصيات تنظيم الاخوان المسلمين المصري، وعكف على دراسة كتب سيد قطب ومحمد قطب وأبو الأعلى المودودي ومحمد إقبال ومالك بن نبي وأبو حامد الغزالي وابن تيمية، حتى تشكلت شخصيته السياسية، التي قادته لاحقا الى بدء نشاطه الإسلامي بين الطلاب العرب والمسلمين في باريس، وانضم الى “جماعة التبليغ” التي تنشط في ضواحي باريس الساخنة في أوساط المهاجرين الافارقة ومن شمال افريقية. رجع الشيخ الداعية من باريس الى تونس في أوائل السبعينات من القرن الماضي، ليبدأ في تشكيل التنظيم السري لتنظيم الاخوان المسلمين “النسخة التونسية”، تحت اسم “حركة النهضة”، وعقد التنظيم مؤتمره السري الأول في ابريل عام 1972 في مزرعة نائية بعيدا عن اعين أعوان الامن التونسي، في بلدة مرناق 20 كم جنوب غرب تونس. ومن خلال صحيفة المعرفة التي بدأت إصدارها الأول في 1974، أعلن التنظيم السري عن ولادته وخروجه الى العلن من رحم التنظيم السري العالمي للإخوان، ساعده في ذلك التوجه القوي لنظام بورقيبة الى العلمانية وسياسات التنظيم العائلي.

وتعرض الغنوشي زعيم التنظيم السري لملاحقات نظام حبيب التونسيين المجاهد الأكبر بورقيبة، حتى أنقذه زين العابدين بن علي من حبل المشنقة، بعد تغيير 7 نوفمبر 1987. ورغم العفو واخراجه من السجن في 14 مايو 1988، واصل شيخ النهضة راشد الغنوشي نشاطه السري، محضرا لانقلاب فاشل على نظام بن علي تم اجهاضه، وهرب شيخ الاخوان المسلمين في تونس في ظلمة الليل الى المنافي، وقادته رحلة هروبه الشاقة الى القذافي في ليبيا في ضيافة “البغدادي المحمودي” في صرمان الليبية الابية، ثم الجزائر ومنها الى السودان، وهناك تحول الى “زول” ومنح جواز سفر دبلوماسي، انتقل به الى ضاحية اكتون بعاصمة الإنقليز لندن مهد ولادة معبد تنظيم الاخوان المسلمين في اربعينات القرن الماضي في المطابخ السوداء لـ أي ام سكس في حي جسر فوكسهول اللندني الشهير. وبعد سنوات من ربط الحبال وحبكها مع قطر وحكامها ومجلس اتحاد علمائها المسلمين بزعامة شيخ الاخوان الأكبر القرضاوي، والذي تولي فيه نائب الرئيس وعضو مكتب الارشاد العام العالمي لجماعة الاخوان المسلمين.

عاد راشد محمد الخريجي، الى تونس مظفرا ليتقاسم كعكة السلطة والجاه والثروة مع عجائز بقايا نظام بورقيبة العتيد فيا سمي بـ “الترويكا”. وعمدت عودته الى حلبة السياسة التونسية، من باب “ثورة الياسمين الواسع” ومحرقة البوعزيزي، سطوته على دولاب الدولة التونسية، حتى أصبح حاكم الظل الحقيقي، عكس تقاليد حكومة ظل المعارضة في بلاد صاحبة الجلالة اليزابت الثانية التي عاش فيها ردحا من الزمن.

ومن موقعه الابدي كزعيم روحي ودنيوي لتنظيم “النهضة”، استطاع الشيخ الورع التقي صاحب الوجه الحسن البشوش، وبمساعدة الأقنعة التي يصعب اختراقها، من مساحيق عاصمة العلمانية وللائكيه المتطرفة باريس ومن انتاج ايف سان لوران، ان يخترق الدولة العميقة للبورقيبية، ويحاول ان يبني على انقاضها دولته العميقة، بشعارات ديمقراطية إسلامية براقة، هي في جوهرها عقيدة الاخوان المسلمين، وعشقهم الابدي للسلطة والمال. ومن خلال حزبه الفتي “العدالة والتنمية”، اكتسح كل الأبواب وتغلغل في هياكل إدارة الدولة الأمنية، التي يعرف تماما انها مفاتيح التسلط من جديد على رقاب الشعب التونسي الذي صرخ يوما قائلا “هرمنا … هرمنا…هرمنا” ليعيد من جديد مسلسل ” الشيخوخة والهرم” حتى بعد ان تراجع عنه صاحبه الأصلي في رحلة ندم منسية.

وحتى نعرف مدي فعالية اقنعة ومساحيق ايف سان لوران، فقد حصل الشيخ الديمقراطي راشد الغنوشي مع صنيعته، المنصف المرزوقي، الذي سكن قصر قرطاج الرئاسي لمدة 4 سنوات حكم فيها تونس الخضراء تحت جلباب “النهضة” وتعلم في ردهات القصر القرطاجي البهي، ربطة العنق الإسلامية، بجائزة شاثام هاوس الملكية البريطانية لحرية الفكر والتعبير في عام 2012.

  شيخنا الجليل راشد، ورغم زهده في السلطة الذي عبر عنه في أكثر من مناسبة، يعرف من اين تؤكل الكتف، فقد وضع اكلة الكتف، على راس الوزارات السيادية، في كل حكومات تونس منذ 2011 مستخدما اقنعة ايف سان لوران للغش والاختفاء في إدارة الدولة من وراء الكواليس، وحافظ على مسافة الخداع التي ابقته قريبا/بعيدا عن السلطة وشؤونها في ذات الوقت. فتعاقبت على الرئاسة والحكومات وجوه عدة أشهرها رئيس بمؤهلات وثقافة يساري حقبة الثمانينات من القرن الماضي، المنصف المرزوقي، ونجح الشيخ العتيد في ترويض اليساري الجامح المعبئة راسه بمقولات ثورتسكي في مواخير الحي اللاتيني الباريسي في سبعينيات القرن الماضي. ومنها ايضا حمادي الجبالي وزير اول وصهره رفيق بن عبد السلام بوشلاكة في الخارجية الذي حصل على منحة صينية معتبرة لتونس واحتفظ بها في حسابه الشخصي حتى يجنبها الخضوع لدهاليز صندوق الدولة المحروس!!! ثم علي العريض وزير داخلية ثم وزير اول مهندس ترحيل زعيم انصار الشريعة الإرهابية، سيف الله بن الحسين المكني بـ ابوعياض بعد موقعة جامع الفتح بقلب العاصمة تونس في شهر سبتمبر 2012 الى مدينة صبراتة الليبية، وفي ضيافة المجموعة الليبية المقاتلة ومجلسها البلدي العتي. ومازال يستند الشيخ راشد في مخططه الجهنمي، على هؤلاء في إدارة وتحريك دولاب الدولة التونسية الذي يتقاسم اعمدته مع العجوز قائد السبسي سليل عائلة المملوك إسماعيل قائد جمع الضرائب والخراج للباي العثماني حسين باي ابن محمود.

 ومع اقتراب موسم الانتخابات التشريعية والرئاسية التونسية في 29 نوفمبر القادم، كان لابد للشيخ الديمقراطي المعتق بعتبات وبركات السلطان اردوغان ان يأتي ليتبرك بمزارات باريس، عاصمة المساحيق والاقنعة، ليجس نبض عاصمة القرار، وليعرف مدي سريان مفعول مساحيقها من ايف سان لوران، في تجميل صورته وتأهيل حزبه للمنافسة والفوز بتونس رئاسة ووزارة وحتى اخر اسلاك سلطة الدولة. لم ينسي شيخنا الجليل، تذكير باريس وساستها على قدرته الخارقة في وضع الأقنعة ذات براءة الاختراع الفرنسية. جاء الغنوشي الى باريس يوم 14 مايو 2019 في زيارة جس النبض، حول نيات فرنسا ورايها في تشكيل حكام تونس مستقبلا، بعد ان هرم وشاخ قائد السبسي وحان موعد تقاعده وتلاشي حلمه بتوريث ابن من سلالة ال السبسي. لكن الشيخ الغنوشي، يريد ان يقول للفرنسيين انه لم يهرم بعد، ومازال نشيطا، ويستطيع ان يخترع “عصفور سطح” يطير ويطير لحكم تونس تحت جلبابه النهضوي.

وفي سبيل السلطة وخزائن تونس المليئة/الفارغة، لم يتورع راشد محمد الخريجي، من استغلال الوضع المأسوي في ليبيا للترويج لديمقراطية حركته الاخوانية، وخاطب في ندوة عقدها في باريس خلال زيارته، الحضور قائلا ان «خطر الإرهاب لا يزال قائمًا، خاصة من جهة الجوار الليبي نتيجة الفوضى وانعدام الاستقرار في هذا البلد الشقيق”، متناسيا ان الإرهاب وعدم الاستقرار وصل الى ليبيا من تونس، وان زعيم انصار الشريعة الإرهابية، سيف الله بن الحسين المكني بـ ابوعياض، قد صدر الى ليبيا تحت اشراف مباشر من وزيره للداخلية علي العريض، وان اكثر من 4000 إرهابي وارهابية من تونس الديمقراطية، عبروا ليبيا الى سوريا والعراق واعادهم السلطان اردوغان منذ عام 2014 مرة اخري الى ليبيا حيث شاركوا في قتل الليبيين في درنه وبنغازي واجدابيا وهم الان يقاتلون الجيش الوطني الليبي في معركة طوفان الكرامة لتحرير طرابلس من براثن الارهاب. راشد الخريجي نسي انه قال يوما في لقاءاته مع زعيم تنظيم أنصار الشريعة الإرهابي المكني ابوعياض “بانه يري فيه شبابه”.

 تطفل الغنوشي على الشأن الليبي بدا مبكرا، بعد ان سيطر على مفاتيح السلطة والامن في تونس، فقد تحالف وبشكل فاضح مع قوي الإرهاب والتطرف في ليبيا، بل كان عرابهم الأساسي عند حكام الجزائر، فقد اصطحب معه امير المقاتلة الليبية عبد الحكيم بالحاج عام 2014، في زيارة قابل فيها بالحاج مسؤولين في الجزائر وطلب منهم الدعم والمساندة خلال حرب “فجر ليبيا” التي دمرت ليبيا. الغنوشي لم يخفي يوما تحالفه الأيدلوجي مع الإسلام السياسي في ليبيا، وعلاقاته الشخصية مع رموز هذا التيار مثل الشيخ علي الصلابي ومحمد صوان وعبد الحكيم بالحاج وغيرهم من الإسلاميين المتطرفين الليبيين، الذين وجدوا كل التسهيلات للإقامة والتحرك والسفر في تونس، من قبل الأجهزة الأمنية التونسية التي تم اختراقها مبكرا من تنظيم النهضة منذ عام 2011.

 والسؤال المطروح، هل حقا تغير الغنوشي وأصبح ديمقراطيا حتى يمكن ان ترضي به باريس حاكما من وراء الكواليس لـ تونس؟ وهل ينجح بمساعدة مساحيق ايف سان لوران ان يقنع ساسة فرنسا ثم التونسيون بانه يميز بين الدعوي/ والسياسي القناع الجديد الذي يروج له في زيارته الباريسية. خطاب جديد/قديم لا اعتقد انه ينطلي على مطابخ السياسة الفرنسية، فهم يعرفون تماما مدي فعالية المساحيق التي يستخدمها الغنوشي، وفشلت زيارته لعاصمتها في تبديد مخاوف حكومة ماكرون حول قدرة الغنوشي على التلون حتى ان بعض الصحف وصفته بالحرباء الصحراوية. ومن عناوين هذا الفشل، رفض وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان استقباله رغم الحاحه على اللقاء، وترويج غير مسبوق لزيارته الى باريس الى حد وهم الفوز بلقاء مع ماكرون في قصر الاليزيه.

  ألوان طيف الحرباء التي طبعت سياسات حزب النهضة الحاكم الحقيقي لتونس، تم اكتشافها من قبل المواطن ” الزاولي” التونسي الذي بدا يصدح وبصوت عال بعودة الطاغية بن علي على حد وصف جحافل حركة الغنوشي للنهضة. ليس فقط المواطن التونسي المطحون وصل الى حقيقة ان تغير شيخ النهضة ليس حقيقي، حتى العجوز السبسي، بدا في تسديد ضربات تحت الحزام للشيخ المتلون، بعد ان أنفرط عقد تقاسم السلطة، فوصف شهوة الشيخ راشد ونهمه للسلطة بوصف “المرشد”، في إشارة الى اية الله خامنئي في إيران.

ومازال الشيخ المرشد يبحث عن “العصفور النادر” المنتظر، بعد “عصفور السطح” الذي بدا هو الاخر في اعداد حقائبه لمغادرة قصر الحكومة بالقصبة، وامضي ولاية رئاسة الحكومة كشاهد للزور!!!

د. كامل المرعاش

باريس، 30 مايو 2019

 

 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة المرصد الليبية

عن مصدر الخبر

صحيفة المرصد الليبية

صحيفة المرصد الليبية

أضف تعليقـك

تعليق