اخبار

درس الانتخابات التونسية: هل انتهت الدولة بمفهومها التقليدي في المنطقة العربية؟ … بقلم / محمد الامين

ايوان ليبيا
مصدر الخبر / ايوان ليبيا

 

درس الانتخابات التونسية: هل انتهت الدولة بمفهومها التقليدي في المنطقة العربية؟ … بقلم / محمد الامين

النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية المبكرة حفلت بالدلالات والمؤشرات.. عزوف أكثر من ثلاثة ملايين من المدرجين بالسجل الانتخابي عن الإدلاء بأصواتهم، يرقى إلى مستوى التصويت عقابي بكل المقاييس..

ما نراه هو أنه هنالك إرهاصات عن انتهاء سطوة حكم “السيستم”، وحصرية صناعته للحاكم في بلاد العرب بل في العالم لفائدة تيارات أخرى مخالفة للممارسة السياسية التقليدية، كالشعبوية والانطوائية والعنصرية الانعزالية، وتيار النقاء من رجس السياسة..الخ..
كيف لجموع تسجل أسماءها بسجلات المقترعين بأعداد تنبؤ بنسبة مشاركة غير مسبوقة أن تقرر البقاء في البيوت وتمتنع عن التصويت؟؟ !!!

من نافلة القول أن الكتلة الانتخابية في تونس لديها مزاجها الخاص، فبعضها يرزح تحت ضغط الهمّ المعيشي اليومي،، والبعض الآخر مصابٌ بالقرف من المشهد السياسي الحزبي ومن التجاذب ورائحة الفساد الطاغية عليه، رغم الإدارة السلمية للخلافات في هذا البلد..
لكن كيف لجزء من الشعب الذي يعاني أن يختار أحد نجوم الفساد طرفا في الدور الثاني؟ ولماذا يُقدم على معاقبة الأحزاب الرئيسية والمكونات الأساسية للمشهد السلطوي في البلد بهذا الشكل؟

لا بدّ أن نعلم أن في تونس المجاورة شعبان،، شعبُ من جاوزوا الأربعين من العمر، وهو يضم أعدادا كبيرة من المسنين وأرباب الأسر الفقيرة صوتوا ببساطة لمن يتجول في بلداتهم موزعا أكياس “المكرونة” و”معجون الطماطم” والوجبات الساخنة..وهذه علامة فارقة لا تؤكد على إخفاق السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة فحسب، إنما كذلك على استعداد البسطاء لمنح أصواتهم لأي أحد يمكن أن يشبع البطون الجائعة، ويتواصل مع الفئات المنقطعة والمحرومة والمهمشة..

وهنالك شعب آخر، غالبيته من الشباب الرافضين للمنظومة [النخب بكافة اطيافها] يجمعهم نفور شديد من الطبقة السياسية ومن الأحزاب التي سيطرت على المشهد منذ 2011، ثم حصلت على تفويض مغشوش عام 2014. هذا الشعب “الواعي والشبابي” خيّر أن يقفز في المجهول وعاقب الجميع باختيار شخصية من خارج الحقل السياسي، وهو أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد، مرشّح رئاسي لم تكلف حملته الانتخابية غير بضعة آلاف من الدنانير، حصل عليها من متبرعين فقراء ومعدمين!!

انهزم من ضخوا المليارات من الأموال الفاسدة، ووقفت خلفهم قوى إقليمية متنفذة بالمال والدعاية والفضائيات..

الشعب في جزء كبير منه يعرف أن غالبية المرشحين الـ 16 هم إما فاشلون يريدون استغباءه، أو مسئولون حاليون يمولون حملاتهم وطموحاتهم من المال العام ويستغلون إمكانيات الدولة بفجاجة وقلة حياء، وإما هم متخفون خلف شعارات منتهية الصلاحية لا تمس هموم الشعب اليومية من قريب ولا من بعيد.

لكن بعيدا عن التحليل الأولي الذي أسلفتُ.. فلا بدّ من تأكيد أمور جوهرية وهامة:

– أن صوت الشعب هو في الحقيقة سَوْطٌ للمعاقبة والمحاسبة، دونما عنف ولا اعتداء ولا دماء..

– أن الديمقراطية تبقى الخيار الأمثل، والانتخابات هي المظهر الرئيسي للحياة الديمقراطية..

– أن الديمقراطية لا يمكن تعلمها من خارجها، بل التدرب عليها من الداخل، ولا يمكن أن يعلّمها للناس مستبدّ ولا يقدّمها إليهم في علبٍ مستعمرٌ أو فاسدٌ.. يتدرب الناس على الديمقراطية وهم يمارسونها في استحقاقات متعددة ومتتالية تتطور شفافيتها ونزاهتها بتطور الوعي الجماعي والفردي بأهميتها.

– إننا في حقبة تمكين الشعوب من الاختيار خارج إرادة الجماعات والأحزاب والفئات والأعراق..

– أن ما يجري في تونس هو إرهاصات تجري ببلد فقير وصغير شحيح الموارد لا يتنازع عليه طامعون أو متنفذون، إرهاصات لمسارات استعادة البشر لإنسانيتهم خارج هيمنة الفساد والمال الكريه والتأثيرات الإقليمية والاصطفاف والقطبية البغيضة..

– أعجب كل العجب أن ينبري لمهاجمة هذه التجربة الانتخابية الرابعة من نوعها في هذا البلد، والسخرية منها، بعض الذين لم يمسكوا في حياتهم ورقة اقتراع ولم يدخلوا خلوة انتخابية!!

– أستغرب كيف لا يشعر هؤلاء بالحاجة لمثل هذا المشهد الحرّ المنظّم، وكيف لا يخالجهم شعور الغيرة الوطنية فيحلمون باستحقاق سياسي سلمي ووضع ملائم لاختيار شعبي حرّ وطبيعي وشفاف لعملية انتخابية في سائر بلدان العرب الأخرى؟؟

– هل تحولنا إلى نفوس مبرمجة على الانتقاد والرفض والتشكيك الدائم في غيرنا ونسينا عيوبنا واقتتالنا وعجزنا عن مجرد وقف قتل بعضنا البعض؟؟..

بصرف النظر عن النتائج الأولية الرسمية، التي لم يُعلنْ عنها حتى كتابة هذه الأسطر، والتي لا أتوقع أن تكون بعيدة عن نتائج الاستطلاعات، فإن المؤشرات والوقائع كلها تُجمع على نجاح العملية الانتخابية كي تكون درسا ونموذجا، وكي تقطع منطقتُنا مع نسبة الـ99.99%، ومع ثقافة البلطجة والهراوة والميليشيا والارشاء الانتخابي.. وهذا نموذج تتطلع إليه شعوبنا كافة يبشر بدولة جديدة، وممارسة سياسية جديدة، ونمط حكم جديد لا يغريه بريق الأحزاب ولا تخدعه لافتاتها وشعاراتها، ولا تُرهبه التهديدات والتحذير بما بعد ممارسته لحقّه في الاختيار الحرّ..

نموذجٌ نتمنى أن نجد الجرأة والنزاهة كي نستلهم منه لما فيه خير شعوب منطقتنا، وأحلام أجيالنا المستقبلية..

وللحديث بقية.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

ايوان ليبيا

ايوان ليبيا

أضف تعليقـك