اخبار

من حرب السلاح إلى حرب الصندوق.. الأدوات المستحدثة لمحاربة العنف والاقتتال … بقلم / محمد الامين

ايوان ليبيا
مصدر الخبر / ايوان ليبيا

من حرب السلاح إلى حرب الصندوق.. الأدوات المستحدثة لمحاربة العنف والاقتتال … بقلم / محمد الامين

انتهى عصر الأيديولوجيات من العالم كلّه تقريبا لفائدة نمط تفكير جديد تقوده الجموع بمعزل عن النُّخب.. وأصبحنا إزاء عقلية جديدة تؤسس لها شعوبٌ منها ما هو مجاور لنا، ومنها ما هو بعيدٌ عنّا.. ومع ذلك، نصرّ على البقاء خارج حركة التاريخ غارقين في الدماء والحرب تحت عناوين ليست لها أية علاقة بالوطن ولا بمصالح شعبنا..

لا بدّ أن نواجه أنفسنا بحقائق يُبصرها الجميع -إلا نحن ومن شابهنا من الشعوب المكبّلة والمطحونة.. علينا أن نفهم اليوم أن شروط وقواعد تعايش الناس مع الحكام داخل الأوطان قد تغيرت، وأن منظومات الحقوق والواجبات هي التي حلّت محلّ الولاءات والاستعباد والاستئثار والحقّ الإلهي في الحكم التي يمتطيها المستبدّون في بلداننا وتصدقها فئات مدمغجة وبطانات منافقة تزيّن الشيء ونقيضه..

الحقبة التي دخلها الغرب منذ أعوام -والتي غيرت العقد الاجتماعي الذي يربط الناس بحكامهم، وحوّلتهم إلى موظفين وخدم لشعوبهم، ما زالت عصيّة على أفهامنا وحتى على أحلامنا.. لأننا بالقياس إلى هذه الشعوب نعيش حقبة القرون الوسطى.. وهي الفترة التي كان فيها الغرب يحترب ويتقاتل من أجل السلطة.. بل أننا بوعينا المجتمعي الحالي ومرحلة تطورنا الراهنة لم تدرك بعدُ حقبة الحربين العالميتين حيث لم تكن الصراعات حينها من أجل السلطة، بل من أجل الحدود والأطماع الاقتصادية والنفوذ الإمبراطوري وما شابهه..

هذا التخلف الذي نحن فيه يزيّن للحالمين بالسلطة من أفراد وفئات أن يقفزوا على أعناقنا ويلبّسوا علينا بالأكاذيب والتآمر البغيض ما يمكّنهم من تحقيق مآربهم، فيدخلوننا في نزاعات وحروب وهمية، وصراعات متخلّفة منها الديني ومنها الأيديولوجي والعرقي، وغيرها من الصراعات التي لا يمكن أن تنشأ في مجتمعات يسود فيها حكم القانون وسلطان العدل والاعتراف بحقوق الجميع في الأوطان..

الحقيقة أن جانبا كثيرا من التبديد الذي تشهده موارد مجتمعاتنا، وبعضها يتمتع بثروات طبيعية وبشرية مهولة، ناشئ عن الكمّ الهائل من سوء الإدارة والاستبداد بالرأي حيث لا مكان للنقد ولا للمشورة ولا للرأي الآخر، ولا مكان بالطبع للاختيار الحرّ للحكام.. فالإشكالية التي يتعيّن حسمها بالتفاهم والضغط السلمي والحوار في بلد مثل ليبيا ليست الحرب في حدّ ذاتها، لأنها نتيجة، إنما هي عقلية الاستيلاء على الحكم بالقوة.. والمعضلة التي ينبغي التعامل معها قبل كل شيء هي هاجس خوفنا من الآخر، والتوجس من إلغاء الآخر لنا، أو غدره أو استبداده بنا.. وهذه لا تتم إلا بوعي مشترك واستبعاد كامل لفكرة الحرب والتقاتل من أجل موقع إدارة ليبيا وشأنها السياسي والاقتصادي باعتباره منصبا إداريا لا يترتب عنه أي حقّ في استباحة الناس أو توريث الحكم أو هيمنة البطانة ونفوذ “الشّلّة”..

نحن أمام تجارب بصدد النضوج، وتحوّلات متسارعة لإعادة تشكيل منظومات الحكم نفهم لماذا لا يمكن استنساخها ببلدنا، لكن لا نفهم سبب رفضنا العجيب للتغيير كشعوب مع علمنا أن الطبقات الحاكمة لن تعرض علينا الحريات ولن تهدي إلينا الكرامة أو المشاركة.. لماذا نقاوم رغبة تغيير داخلنا؟

لماذا نستسلم لأكاذيب وأوهام الأقلية المتآمرة على وعينا؟

لنتساءل مثلا،، هل هنالك مشاكل بهذه تجعلنا نتقاتل بهذا العنف والقسوة ؟

إن كانت موجودة من قبل فقد تجاوزتها التطورات وأضعفتها حدّ الاضمحلال الدماء التي تنزف من أبناء شعبنا..

إذا كان هنالك من صراع، فهو بين طلاّب للسلطة استنفدوا كافة حجج ومبررات بقائهم في مواقعهم، وسقطت عنهم ورقة التوت، ونزعت أزمتُهم الأخلاقية عنهم كل شرعية..

لماذا لا نخاطب وعي الناس ونعرض عليهم مشروع السلم الحقيقي؟ خطاب السلم في بلدي لا يجد من يُتقنُ بيعه للناس.. ولا يجد من يستطيع شرحه، لأن حسن الشرح يقتضي الفهم، والفهم يقتضي الإيمان والتسليم بأن السلام هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يُبقي ليبيا موحّدة، وشعبها موحّدا، وحيّــــــــــاً.. وأن انتهاء الحرب بمنتصر يلغي خصمه ويقضي عليه هو ضرب من الحلم،، بل أضغاث أحلام..

..هؤلاء المحتربون لن يستطيع الليبيون طردهم بالحرب.. ولن يتخلصوا منهم بالقتال.. بل سيتخلصون منهم بالسلام ودون دماء..

لننظر من حولنا.. فالشعوب تتخلص ممّن لا تريد دون ضوضاء.. وتكنس من لا تريد بورقة بسيطة.. تعجّب كثيرون ذات يوم من عدم ممارسة التونسيين للعنف ضدّ منظومة الحكم السابقة ببلدهم.. واعتقد كثيرون أن المنظومة قد عادت وتمكنت، واستعملت فئةً جديدة متنفذة مستغلة طمعها وعطشها للسلطة.. لكن العقاب الشعبي جاء مدوّيا.. وتمكن الشعب من إسقاط المنظومة القديمة وتفكيك كافة مكوناتها، وأسقط المنظومة المتنفذة بلطمة واحدة وكشف حجمها الحقيقي، بل وسحق بشكل مهين الأصولية اليسارية المتمركسة العاجزة على مرّ العقود في إيجاد حلّ لتفرّقها وتشرذُمها، وعاقبها بقسوة، ولم يغفر لها تحالفها مع مضطهديه في محطات تاريخية مشهودة ..

قد يثير مثل هذا الخطاب حفيظة كثيرين، لكنه سيكون بداية لصحوة شعبية في بلدي لإسقاط الحرب المجنونة بالعقل والسلم في انتظار الخلاص من سماسرة الحرب ومرتزقة تفتيت الوطن..

وللحديث بقية.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

ايوان ليبيا

ايوان ليبيا

أضف تعليقـك