ليبيا نيوز

هل استوفى المجتمع الدولي متطلبات إنجاح المسار السياسي بإصدار قرار مجلس الأمن الذي ينُتهك غداة صدوره؟

ايوان ليبيا
مصدر الخبر / ايوان ليبيا

محمد الامين يكتب :

هل استوفى المجتمع الدولي متطلبات إنجاح المسار السياسي بإصدار قرار مجلس الأمن الذي ينُتهك غداة صدوره؟ وهل تحوّل غسان سلامة إلى جزء من الأزمة الليبي؟

المعارك على أشُدّها بين المتحاربين حول العاصمة “تفاعُلًا” مع صدور قرار مجلس الأمن البارحة مما يطرح نقاط استفهام كثيرة تتعلق بجدوى القرار، وإلزاميته، ومدى جدية تعاطي الأطراف المعنية مع هذا النص الذي يُفترض أنه تعزيز للهدنة وإضفاء للصفتين الرسمية والإلزامية على وقف اطلاق النار؟؟..

لا يخفى، أولا، أن القرار هو مجرد دعم لمخرجات برلين، واعتقد انه لا يضيف جديدا على الأرض وعلى الورق، لأن كل شيء حسب النصّ المعتمد، مرهون بإرادة طرفي القتال، اللذين تفصلهما هوّة كبيرة يصعب على الضغوط الدولية ردمُها.

لا يخفى كذلك، أن ما يحف بالأزمة من تضارب للمصالح، وحرص من متصدّري المشهد العام على اقتسام المناصب بدل تقديم التنازلات والوصول الى حلول شاملة لأزمة البلاد، يجعل المجال رحباً أمام التلاعب والالتفاف حول هذا القرار الذي شهد ولادة متعسّرة وانتُزِعَ منه “الدسم” مرارا قبل اعتماده، تفاديا لفيتُو روسي أو أمريكي..

بالإضافة إلى هذا، فإنني أعتقد أن هذا القرار المُجرّد من عامل الردع والاقتصاص المباشر المعزّز بسلطات الفصل السابع يعتبر غير ملزم من الناحية العملية، ولن يهتم أحد بفرضه على الأطراف المعنية، في ظل استبعاد كامل من الأطراف كافة لمسألة الزج بقوات أفريقية أو عربية أو أوروبية تحت مظلة الاتحاد الأفريقي أو الاتحاد الأوربي قد تزيد الأوضاع تعكراً والأزمة حدّة..

من الناحية النظرية، يظهر للمتابع البسيط أن المجتمع الدولي بصدد استيفاء المراحل والمضي بها قُدما نحو “الحل السياسي”، لكن الوقائع على الأرض تدحض هذا الانطباع، وتؤكد أن المساعي السياسية بمختلف محطاتها الفرنسية والإيطالية والألمانية والأفريقية لا تحظى بقبول حقيقي ولا تتميز بالثقل المطلوب لكي تدخل حيز التنفيذ أو تنعكس بانفراجات أو اختراقات ميدانية بالداخل الليبي، هذا لأن المتصارعين مشحونين بجرعات كراهية وعداء عالية التركيز، من ناحية، ولأن المتدخلين الدوليين والإقليميين لا يُبدون أي اكتراث بالتفاهمات ولا بالبيانات التي يوقعون عليها ويتغنّون بالدعوة إلى الالتزام بها ليلا ونهارا، من ناحية أخرى..

صحيح أن المراحل النظرية والسياسية تسير وفق ما هو مرسوم لها رغم العثرات التي تحدث أحيانا لأكثر من سبب، لكن تكرار الإخفاقات العملية يؤكد أن الأمر أهمّ من أن نُهمله أو نصمت عليه..هناك مشكلة ما ينبغي حلّها حتى قبل التفكير في جمع الأطراف في جينيف..

هنالك تُـــرْسٌ أساسي في “صندوق مَكَنَة الحلّ الأمميّ” لا يعمل كما يجب على ما يبدو.. وهذا التّـُـرسُ برأيي هو شخص المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، رئيس البعثة الأممية في ليبيا السيد غسان سلامه!!
لقد تحدثنا كثيرا عن أداء الرجل.. ودافعنا عنه كثيرا في موقف معينة.. وانتقدنا أداءه بحقّ في كثير من الأحيان.. لكن الوضع المتفاقم وتكرار الفشل ووصول مستوى تأثير الرجل في المشهد إلى درجة الصّفر يؤكد بما لا يدعُ مجالا للشك أنه قد أصبح جزءا من المشكلة ولم يعُد جزءا من الحلّ..

فبالإضافة إلى عدم الثقة الواضح بين طرفي الصراع في شخص المبعوث الأممي، واتفاقهما-النادر- على عدم صلاحيته للعب دور الوسيط، نلاحظ أن هنالك ميلاً واضحا من السيد سلامه إلى اللهجة التصعيدية، وإلى تعكير الأجواء بما يشبه افتعال التوترات عبر تصريحات وتغريدات يُفترض في الوسيط أن ينأى بنفسه عنها، وأن يذهب بالمساعي إلى ما هو جامع وليس إلى ما يفرّق ويشحن الأجواء..

أتساءل بالفعل عن أهمية الوسيط وما يمكن أن يقدّمه في ظل رفض الأطراف واحتجاجها عليه؟؟ هل ما يزال في جراب الرجل من مسعىً أو حلّ؟؟

إن الجمود والعثرات والانسدادات وانعدام الثقة أمورٌ تقتضي التفكير في إيجاد بديل حقيقي، ووسيط دولي محنّك وخبير في مثل هذه النزاعات إذا كان المجتمع الدولي معنيّا بالفعل بإنجاح المسعى السياسي..

والحاجة إلى تغيير السيد سلامه تبرّرها وتحتّمها أهمية تحقيق “رجّة نفسية” وتواصلية، وأهمية ضخّ دماء جديدة في جسد الوساطة السياسية الدولية.. وهذا من شأنه أن يعيد ترتيب الأوراق، ويجدّد الثقة بين الفرقاء والخصوم ومختلف الأطراف.. فهؤلاء -ولست بصدد الدفاع عن أحد منهم- لديهم مخاوف وتطلعات ومصالح وخطط وحلفاء فات أوان إلغائها أو شطبها، ولا يمكن للوسيط تجاهلها، بما يعني أن تقريب وجهات النظر بينهم ليس بالأمر اليسير أو البسيط..

إن الساحة الليبية الملتهبة تعبّر بنفسها اليوم ولا تحتاج خبراء لتحليلها أو توصيفها.. فمكان المجتمع الدولي حاضر على الورق لكنه شاغر على الأرض لسبب بسيط هو عدم ملاءمة المبعوث الأممي للمهمة التي كُلّف بأدائها، فهو لم يعد الشخص المناسب للمرحلة لأن الأمر اليوم لا يتعلق بدعم مؤسسات وطنية موحدة وبيئة هادئة كما نصّت عليه مهمة الوسيط في بداية تطبيق اتفاق الصخيرات، بل هي بيئة معارك وقتال منقسمة على الورق وعلى الأرض، ولم يعد تدخّل الخارج فيها مجرد مناكفات عابرة أو تشابك مصالح أو ضغط سياسي أو تعبئة إعلامية، بل هو انخراط ميداني وإمداد يومي بالأفراد وبالسلاح، وشحنٌ لوجستي متعدّد الأشكال على مدار الساعة ..
هذه العوامل وغيرها تحتّم المسارعة باستيفاء متطلبات الهدنة وتثبيت وقف إطلاق النار واستكمال مراحل الحل السياسي في ظل بيئة ميدانية متجاوبة ومتعاونة ومرتدعة بنصوص واضحة وملزمة، بل كذلك بأهداف وتطلعات حقيقية وليست مجرد سراب أو عناوين إنشائية أو شعارات..

وللحديث بقية.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

ايوان ليبيا

ايوان ليبيا