اخبار

خلافات تركية ـ روسية فى سوريا وليبيا وآسيا الوسطى

ايوان ليبيا
مصدر الخبر / ايوان ليبيا

بدأ صراع المصالح بين تركيا وروسيا من إدلب وليبيا، وهو أمر كان مؤكدا حتى فى ذروة التعاون بين البلدين، فموسكو وأنقرة ينتميان لخنادق وإيديولوجيات وأهداف وأفكار مختلفة لا يمكن أن تتفق أو تتلاقى..

وإذا أردت أن تعرف المستقبل، فعليك ألا تهمل التاريخ، وتاريخ العلاقات الروسية ـ التركية حافل بالحروب القديمة والحديثة، ودائما ما كانت تركيا هى “مخلب القط ورأس الحربة”، لكل المؤامرات الغربية على روسيا القيصرية، والاتحاد السوفيتى السابق، حتى روسيا البوتينية، ويدرك الرئيس بوتين أنه لا يمكن أن يكون فى نفس الخندق مع أردوغان، الذى يدعم كل الميليشيات والجماعات الإرهابية فى الشرق الأوسط ومنطقة القوقاز الروسية، وآسيا الوسطى التى تمثل “خاصرة” الدولة الروسية، وأن كل الاتفاقيات التى جمعت بوتين وأردوغان حول سوريا فى سوتشى ونور سلطان ومشروعات السيل التركى والمحطة النووية الروسية فى تركيا، ما هى إلا أدوات روسية لعزل أردوغان عن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وحلف الناتو، تمهيداً لإملاء الشروط الروسية على أردوغان أو التخلص منه إذا رفض.

تاريخ الحروب الـ13 بين أنقرة وموسكو يقول: إن روسيا انتصرت فى جميع هذه الحروب التى بدأت فى القرن السادس عشر ولم تنته إلا مع نهاية الحرب العالمية الأولى بانهيار ونهاية الدولة العثمانية، فما مصير الجولة المقبلة من الصراع الروسى ـ التركي فى سوريا وليبيا والقوقاز وآسيا الوسطى، وهل نحن بالفعل أمام بداية النهاية لعلاقة بوتين بأردوغان بعد انتهاء المرحلة الرمادية من التصريحات الوردية؟ وما أوراق الطرفين للضغط على الآخر؟ وهل يمكن لأنقرة وموسكو تجنب الصراع المحتوم بين الطرفين؟
أولا: تقليص المساحات المشتركة
عندما بدأ الرئيس الروسى فلاديمير بوتين التعاون مع تركيا، حول الأوضاع فى سوريا بعد دخول القوات الروسية لسوريا فى 30 أكتوبر 2015، كان الهدف الروسي هو نزع كل الأوراق التى بيد تركيا فى دعم الجماعات الإرهابية فى سوريا، خصوصا أحرار الشام وداعش والنصرة وكتائب عز الدين زنكى وحراس الدين وغيرهم، وكانت الجماعات الإرهابية المدعومة من تركيا تسيطر على أكثر من 50%، واليوم نتيجة للسياسة الروسية لا تسيطر الجماعات التكفيرية، إلا على أقل من 5% من الأراضى السورية، وهو ما يعنى هزيمة نكراء لتركيا، فالجيش السورى بات يطوق النقاط الأمنية التركية فى معركة النعمان وقتل 8 جنود أتراك، وفى رسالة واضحة من روسيا لتركيا قالت وزارة الدفاع الروسية إنها تسيطر بالكامل على أجواء محافظة إدلب، بما يعنى أنه غير مسموح لتركيا باستخدام سلاح الجو التركي فى شمال سوريا، وهو ما يعنى أن كل التعاون منذ 2015 حتى الآن فى سوريا بين أنقرة وموسكو، بدأ العد العكسى نحو نهاية هذا التعاون الذى نجح الرئيس التركى فى احتواء كل النشاط الإرهابى التركي فى سوريا بأقل الخسائر، إذا بقيت تركيا تدعم الإرهابيين والمسلحين والفصائل الإرهابية الذين يقاتلون فى إدلب، فإن موسكو ستفعل مثل واشنطن، وستبدأ فى التعاون مع وحدات حماية الشعب الكردية. وإذا جرت الأمور كذلك، فستعود الثقة بين روسيا والأكراد من جديد، كما كان الأمر عليه إبان وجود الاتحاد السوفيتى السابق الذى كان يدعم المقاومة الكردية فى تركيا، وهناك من ينظر لعملية نقل الإرهابيين من سوريا إلى ليبيا، باعتبارها حيلة تركية للحفاظ على الإرهاربيين بعد أن تأكد من قضاء روسيا عليهم فى إدلب، وهناك تصور روسى بأنه يجب القضاء على الإرهابيين سواء فى سوريا أم ليبيا لأن هدف الإرهابيين فى النهاية هو تقويض الأمن والاستقرار ليس فقط فى دول الشرق الأوسط بل فى روسيا أيضا.
ثانيا: روسيا تنهى الدور الوظيفى لتركيا
رسمت أنقرة منذ عام 1952 عندما دخلت تركيا حلف الناتو حدود دورها الإقليمى والدولى، باعتبارها رأس الحربة الغربية ضد الاتحاد السوفيتى السابق، ومع نهاية الحرب الباردة، وقيام أردوغان بمغامراته فى الصومال وليبيا وشمال وشرق سوريا، أصبحت تركيا عبئا على حلف الناتو، وعندما ضغط بوتين على أردوغان ودفعه لشراء منظومة إس 400 انتهى بشكل كامل الدور التركى الوظيفى لصالح الغرب ضد روسيا، ويعتبر يونيو 2019 تاريخًا فاصلًا فى العلاقات الروسية – التركية، حيث استطاع الرئيس الروسى حشر نظيره التركى فى الزاوية عندما دفع تركيا للتمرد على حلف الناتو وشراء أسلحة لا تتوافق مع الأسلحة الغربية، وهنا خسرت تركيا حلف الناتو وباتت تتلقى فقط الأوامر من موسكو، ولا تحمل أى أوراق أو عناصر قوة، فكل شىء فى يد موسكو التى لها اليد العليا على تركيا، وهى من تقدم الأسلحة والسياحة والغاز لتركيا، وهو ما دفع الرئيس بوتين للإعلان فى 14 يونيو الماضى، أنه يجب القضاء بشكل كامل ونهائى على الإرهابيين فى إدلب، وهو ما يعنى أن كل ما يقال من تركيا الآن عن الحفاظ على إدلب والدخول فى عملية عسكرية كبيرة ضد روسيا، ما هو إلا للاستهلاك المحلى للأتراك وجماعات داعش والنصرة والإخوان وغيرهم من التنظيمات الإرهابية. ثالثاً: اختلاف الخنادق
لا يمكن لروسيا وتركيا أن يبقيا فى خندق واحد، وناهيك عن الصراع التاريخى بين البلدين، وانحياز تركيا الدائم لأعداء روسيا، وفى الوقت الحالي ترى موسكو أن مواقف تركيا تصب كلها فى خانة أعداء روسيا، فروسيا تحارب الإرهاب من القوقاز وآسيا الوسطى إلى ليبيا وسوريا والشرق الأوسط، فإن تركيا لا يمكن أن تكون فى ذات المكان والخندق الروسى، حيث تصطف تركيا بجانب داعش والنصرة وأحرار الشام وجماعة الإخوان، وهى وسائل غربية لتقويض الدولة الروسية، فالخطة الأمريكية ـ الغربية تأمل فى التنظيمات التى تم تدريبها فى سوريا والعراق واليوم فى ليبيا، أن تنتقل للقتال فى الداخل الروسى، خصوصا فى جمهوريات الشيشان وبشكيريا وأنجوشيا وغيرها من المناطق التى كشفت السلطات الروسية أكثر من مرة خلايا إرهابية مدعومة من الخارج، كما أن روسيا تدرك أنه وفق إستراتيجية الأمن القومى الأمريكية التى أعلنها البيت الأبيض فى ديسمبر 2017، فإن منافسي أمريكا على الساحة الدولية الصين وروسيا، ولهذا تدرك روسيا أن تركيا تعمل ليل نهار مع الجماعات الإرهابية، وتتوافق مع كل الأفكار التى تدعو ليس فقط لاحتواء أو إضعاف روسيا بل ربما القضاء عليها، ولهذا تدرك موسكو خطورة أن تحقق تركيا أهدافها فى سوريا أو أى منطقة أخرى، وتتابع روسيا جيداً وسائل الإعلام التركية التى تهاجم روسيا على مدار اليوم، وتعلم أن تركيا تتحين الفرص لطعن روسيا من الخلف، وهو ما لا يمكن أن يسمح به الرئيس بوتين، وهناك خلافات كبيرة بين الطرفين فى آسيا الوسطى بدأت منذ إسقاط القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية عام 1453، نتيجة لذلك عملت روسيا القيصرية على محاصرة النفوذ العثمانى فى منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، مستغلة الضعف الذى اعترى الإمبراطورية العثمانية مع أوائل القرن الثامن عشر، وترفض موسكو أى محاولة تركية لمنافستها فى منطقة القوقاز، حيث تدعى تركيا أن العرق العثمانى هناك هوما يطلب منها التدخل، ومنذ وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000، تسعى موسكو لتكثيف وجودها بآسيا الوسطى فى شتى المجالات وخصوصا الأمنية، حيث تشكل آسيا الوسطى المجال الحيوى لروسيا، وتعمل موسكو على حماية الروس الموجودين بالمنطقة، والذين يمثلون نحو 23.7% من سكان كازاخستان، و12.5% من سكان قيرغيزستان وتركمانستان، و5.5% من أوزبكستان، وتتعامل مع حدود تلك الدول على أنها حدود أمنية لها، وخصوصا من ناحية جمهورية طاجيكستان التى بها أعداد كبيرة من القوات الروسية على الحدود مع أفغانستان، وفى وثيقة الأمن القومى الروسية لعام 2020 أوضحت أن هناك مجموعة من المخاطر تواجه البلاد تتمثل فى النشاط التركى الخطير جداً فى هذه المنطقة، من خلال عمل أنقرة على تعزيز العقلية القومية وكراهية الأجانب والنزعة الانفصالية والتطرف بما فى ذلك التطرف الدينى، وأن تركيا تقوم بدعم كل المتشددين فى تلك المناطق، وتشعر روسيا بخطورة الدور التركى الساعى للتقريب بين الغرب وجمهوريات آسيا الوسطى، كما تشعر روسيا بالقلق من تنامى العلاقات التركية مع دول على حدودها، حيث بلغ حجم تجارة تركيا مع دول المنطقة نحو 7 مليارات دولار بحلول عام 2016، وتجاوز إجمالى استثمارات الشركات التركية فى المنطقة 13 مليار دولار فى ديسمبر 2017. رابعاً: تركيا الحاجز للنفوذ الروسى
فى ليبيا تعلم روسيا تماماً اختلاف أجندتها مع تركيا، فروسيا تحارب الإرهاب هناك، وتدعم الجيش الوطنى الليبى الذى يقاتل الجماعات التكفيرية والظلامية هناك، وكل إرهابى يقتل فى ليبيا يعفى روسيا من مهمة قتال عندما ينتقل لممارسة الإرهاب فى روسيا، ولهذا لا يمكن لروسيا أن تتخلى عن المشير حفتر والجيش الوطنى الليبى، كما تعلم روسيا جيداً أن من الأهداف الغربية من غض الطرف عن السماح لتركيا بإرسال السلاح والمرتزقة لطرابلس، هو أن تحارب تركيا روسيا فى ليبيا نيابة عن الغرب، وتتحول تركيا مع مرتزقتها إلى “قوة حاجزة” للنفوذ الروسى فى ليبيا، كما كانت روسيا قوة حاجزة ومانعة لأى نفوذ تركى فى الأراضى السورية، ولهذا تلعب الأقمار الصناعية الروسية دورا كبيرا فى كشف السفن التركية التى تحمل السلاح والمرتزقة لمصراتة وسرت وطرابلس، كما أن روسيا تتعامل بنفس التكتيكات فى ليبيا بنفس الآليات التى نجحت بها فى إدلب وسوريا، وهى تقويض النفوذ التركى وتحجيمه وإلقاء الفتات له حتى القضاء عليه نهائيا، وهناك وعى روسى بأن تركيا لم تنس 13 حربا بدأت عام 1568 وانتهت عام 1918، وانتصرت روسيا فى جميع تلك الحروب، ونجحت موسكو فى إنهاك السلطنة العثمانية وتحويلها للرجل المريض تمهيداً للقضاء عليها والانتهاء من ظلمها وتقسيمها بعد الحرب العالمية الأولى من خلال اتفاقية لوزان. خامساً: المناورة بأعداء روسيا
ربما كانت آخر الأوراق التى حاول الرئيس التركى المناورة بها ضد روسيا، هى ورقة أعداء روسيا خصوصا فى دول الجوار الروسى مثل أوكرانيا وبولندا، وربما فى بلغاريا ورومانيا، لكن الرئيس بوتين قطع كل حبال المناورة التى حاولت تركيا فيها استمالة أوكرانيا غريمة روسيا لصالح تركيا، فعندما حاولت تركيا دفع أوكرانيا لتكون فى المكان المناوئ لروسيا فى الشرق الأوسط خصوصا فى سوريا لم تسمح روسيا بهذا الأمر، حيث حاولت تركيا أن تقول إنها مع أوكرانيا فى قضية دونباسك ولوجانسك، ووحدة التراب الأوكرانى ورفض تركيا لضم روسيا لشبة جزيرة القرم، لكن روسيا أبلغت تركيا أن هذا الأمر يشكل عداء سافرا ضد موسكو، وهو ما يدفع أنقرة لقبول الموقف الروسى دون جدال، بعد أن خسرت أنقرة الجميع بداية من جيرانها فى المنطقة الشرق أوسطية، مروراً بتوتر علاقاتها مع أوربا وحلف الناتو، ونهاية بالدخول فى معارك لا نهاية لها مع واشنطن.

المصدر: الأهرام العربي

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

ايوان ليبيا

ايوان ليبيا

أضف تعليقـك

تعليق

  • اردوغان صعلوك يتلاعب به الكبار ترامب وبوتن وهم يسخرون من غباوته