اخبار

التوافق و المغالبة … بقلم / رمضان عبدالسلام

ايوان ليبيا
مصدر الخبر / ايوان ليبيا

 

التوافق و المغالبة … بقلم / رمضان عبدالسلام

عندما اجتمع مؤسسوا الولايات المتحدة الأميركية ، ليضعوا دستور البلاد، التي أرادوا إقامتها ، ظهرت أمامهم كثيراً من الموضوعات الخلافية ، على رأسها لغة البلاد الرسمية، المتكون سكانها في ذلك الحين من خليط الإنجليز و الفرنسيين و الأسبان و غيرهم ، و كانت لغات تلك الأقوام مرشّحة كلها ، لتكون واحدة منها، لغة رسمية ..

لم يكن يجمع بين الحضور من روابط ، إلاّ المكان أو العقيدة القائمة على المغالبة في استيفاء الحقوق. كان المجتمعون ، قد طرحوا المغالبة جانباً ، بعد أن ذاقوا ويلات الحرب الأهلية ، التي لم تفلح في فرض رأي أي منهم على خصومه … عجز الحاضرون في الوصول إلى توافق ، فلجأوا إلى قانون الأغلبية و الأكثرية و وضعوا بينهم التصويت كقاعدة. هذا القانون هو نوع من المغالبة ، و لكنها قائمة على الخداع!

كانت ثلة بين الجمع، قد اقترحت كحل وسط اعتماد اللغة الإغريقية، لغة رسمية للبلاد الوليدة ، كونها لغة حضارة و ثقافة تجمعهم كلهم تقريباً ، ولكنهم أبوا ، فدخلت ضمن اللغات التي جرى التصويت عليها ، و انحصر التصويت في مرحلته الأخيرة بينها و الإنجليزية ، و قد إختار المصوتون الإنجليزية بفارق صوت واحد عنها.

في المحصلة النهائية، انتصرت المغالبة على التوافق ، و صارت الإنجليزية لغة رسمية للبلاد الجديدة، دون النص عليها في الدستور، و لم يشفع للغة الإغريقية إيغالها في الحضارة.

اختيار اللغة في أميركا تم بطريق التوافق تحايلاً ؛ فقد كان التوافق على التصويت و نتيجته ، و ليس على اللغة . ما ينتج عن التصويت يقبل من الجميع . كان حلاً مُرضياً على كل حال . ربما كانت القرعة أيضاً من الحلول التوافقية ، و قد تكون نتيجتها غير ما أسفر عنه التصويت ، غير أنها تظل أسلوباً يُلجأ إليه ، حين تُحكّم الناس عقولها و ليس “ذرعانها”.

لقد تعمد واضعوا الدستور، أن يكون دستورهم مرنا لا تقيدهم نصوصه فيما لو ارادوا، أو أراد من يأتي بعدهم تعديله، فلم ينصوّا فيه عليها …

و بالمثل لم يتضمن الدستور النص على أي موضوعات خلافية من قبيل هوية البلاد و دينها ، لأنها من الأشياء التي يصعب الإتفاق عليها ، خصوصاً ، و أن البلاد نسيجها من الفسيفساء الاجتماعية و الدينية…

لقد طرح الأميركيون من دستورهم الدين ، و لكن ظلت حرية المعتقد مصانة مالم تمس بالآخرين.

في آي القرءان الكريم دعوة صريحة للناس على احترام حرية الاعتقاد ، و لكن كثيراّ ممن يدّعون العلم بالدين، و يضعون أنفسهم كأوصياء عليه، يؤولون مافيه، إلى ما لا فيه…

كما ظل الأميركي يفخر بالهوية التي يريد، فأغلب ، إن لم يكن كل الأميركيين، يشيرون إلى الولاية التي ينحدرون منها عندما تسأل أحدهم عن: من أي البلاد هو…

أميركا أمم في أمة، و قد صنعت نفسها و طورت نظمها على التوافق ، و لو بالحيلة و الخداع المبني على الغموض المفيد، و هي بهذا الحجم لا يجوز أن تُقارن بها كيانات صغيرة كليبيا ، و لكن إلى أن تستعيد الأمة التي منها ليبيا وجودها ، فإن بإمكان الليبيين ، و ليس أمامهم غيره، التوافق على قضاياهم الخلافية ، باللجوء إلى أي أسلوب من أساليب التحايل مثل القرعة و الإقتراع، و هم بهذا إنما يتحايلون على سوء نفوسهم، و ما تخفيه صدورهم، من تعنت و عصبية و مكابرة و حتى عناد …

سيظل قانون المغالبة هو السائد بين الناس و كل المخلوقات ، مجاهرة أو خداعاً…

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة ايوان ليبيا

عن مصدر الخبر

ايوان ليبيا

ايوان ليبيا

أضف تعليقـك