اخبار العالم

ما أسباب القبول والرفض لمشروع الدستور الانتقالي في السودان؟

حالة من الجدل سيطرت على الوضع السياسي المعقد في السودان بعد أن قامت لجنة تسيير أعمال نقابة المحامين بتقديم مسودة دستور انتقالي للبلاد، الأمر الذي لقى قبولا ودعما إقليميا ودوليا وحالة رفض بين غالبية القوى الثورية والسياسية.

لماذا أثار مشروع الدستور الانتقالي حالة من اللغط وتم الهجوم عليه رغم أنه لا يزال وجهة نظر قابلة للنقاش؟

بداية يقول القيادي في جبهة المقاومة السودانية، محمد صالح رزق الله، إن أي محاولة للالتفاف على قضايا الشعوب السودانية لن تكون خطوة ناجحة لإيجاد مخرج من الأزمة التي تمر بها البلاد.
ما المخاطر التي تهدد بقاء المؤسسة العسكرية في السودان؟
وتابع: “ما تم هو قرصنة واضحة المعالم لصياغة مشروع يسمى بدستور، من أجل أن يفسح المجال لعودة البلاد إلى الوضع السابق (قحت وحركات اتفاق جوبا وعسكر الإنقاذ بقيادة البرهان و زعيم الجنجويد القتلة)، مضيفا: “لا نحتاج إلى كثير من العناء لمعرفة من هم وراء كواليس ما يسمى بالدستور الانتقالي”.

الهبوط الناعم

وأوضح رزق الله، في حديثه لـ”سبوتنيك”: “إذا أمعنا النظر إلى القوة التي تقف وراء صياغة هذه الورقة، سيتضح لنا أنها قوى ما يمكن وصفه بـ”الهبوط الناعم”، التي كانت تفاوض نظام المخلوع “البشير” بعد انطلاق ثورة الـ18 من ديسمبر/ كانون الأول 2018، بأسبوع فقط في العاصمة الإثيوبية”.
السودان… حزب “الأمة القومي” يستعجل تشكيل الحكومة
وتابع: “نفس حلفائها من دول الجوار والدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، هم ذاتهم اليوم من يؤيدون هذه الخطوة أو الدستور وهؤلاء هم أرباب وصناع مشروع الهبوط الناعم الداعى إلى رفض تفكيك نظام الحركة الإسلامية فى السودان، وجر قوى المعارضة للتصالح والعمل معه، والهدف من ذلك لا يغيب على أحد، لأن نظام الإنقاذ بقيادة الحركة الإسلامية هو أخصب تربة لخدمة مصالح دول الغرب وأمريكا في كل ما تحتاجه من سلب ونهب لثروات البلاد”.

عبث سياسي

وأكد القيادي في جبهة المقاومة أن “المناورة السياسية والقرصنة الحزبية لن تكونان المدخل الصحيح إلى حلحلة قضايا السودان الشائكة والمعقدة، وإنما سوف تزيدها تعقيدا، لأن مفهوم الدستور ليس منشورا يوضع ويصنع في الغرف المغلقة وإنما هو روح الشعب السوداني”.
السودان يثمن الموقف القطري الداعم لعملية الانتقال الديمقراطي في بلاده
واستطرد القيادي بجبهة المقاومة السودانية، محمد صالح رزق الله: “لذلك إن أردنا صنع دستور يجب أن يتم ذلك عبر مراحل تشارك في وضعه كل مكونات الشعوب السودانية في المدن والأرياف والبوادي ويتم الاستفتاء عليه”، مضيفا: “من وضعوا هذه المسودة يدركون ذلك، لكنهم لا يهتمون بحلحلة مشاكل السودان وإنما يسعون لخدمة مصالحهم الحزبية والشخصية الضيقة وإرضاء حلفائهم من خارج البلاد، وهذا ليس بغريب من أحزاب نشأت أساسا لشرعنة العمالة للخارج، وهو عبث سياسي وليس بخطوة نحو حلحلة قضايا الوطن الشائكة”.

رؤية أحادية

في المقابل يقول المحلل السياسي السوداني ربيع عبد العاطي: “هذا ليس دستورا وإنما رؤية حزبية مجردة من تجمعات لا وزن لها سياسيا ومرفوضة جماهيريا، والأصل أن تنشأ لجنة قومية لوضع مسودة يتم عرضها على الشعب ليقول كلمته، لأن الدستور ملك له ولا يستطيع كائن من كان أن يفرضه عليه”.
الجبهة الثورية: الحكومة الانتقالية السودانية مستعدة لإجراء تعديلات على الوثيقة الدستورية
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “ما تم ليس إلا من باب المزايدات والعبث السياسي، الذي سيزيد الساحة إرباكا، لكنه سيكون بمثابة القشة التي ستقصم ظهر البعير ونقصد هنا “قحت واليسار ومن يسيرون في ركب العلمانية”، مضيفا: “الدول التي أيدت الخطوة هي الدول التي تسير في ركب العمالة الغربية ودعاة الفوضى الخلاقة والدول الفاشلة”.
البرهان: الحوار السياسي “فرصة تاريخية” لإكمال المرحلة الانتقالية بالسودان
وتابع عبد العاطي: “إذا كانت هناك ضرورة لمواد دستورية لتحكم بقية فترة الانتقال المتبقية والقصيرة جدا، فلا يمكن إعداد أمر دستوري ولا توجد حكومة ولا رئيس وزراء”، مضيفا: “الأولوية الآن لتشكل حكومة لرعاية وخدمة الجماهير التي احترقت بالفقر والجوع، ولك أن تتصور أن الكهرباء أصبحت هي والعدم سواء والناس في ضيق لم يسبق له مثيل عبر تاريخ هذه البلاد، ولابد من فرج يأتي من السماء لخلاص هذا الشعب من شلة أذاقته الويل على مدى ثلاث سنوات عجاف”.

سياج الحماية

أما السياسي السوداني خضر عطا المنان، فيرى أن أي دستور انتقالي لا يكون هناك إجماع عليه، لن يكون مقبولا لدى الشارع والقوى السياسية المختلفة التي لا تتفق حول الدستور، لأن به كثيرا من الثغرات، لا سيما أن بعض المواد من ناحية قانونية مستمدة من قانون الإنقاذ السابق، خاصة دستور 2005، مضيفا: “إذا لم يكن هناك إجماع شامل حول الدستور، فلن يكتب له النجاح”.

وأشار المنان إلى أن “قوى الحرية والتغيير لا تزال غير متفقة مع هذا المشروع”.

وتابع، في حديثه لـ “سبوتنيك”: “الشارع حتى الآن يترقب عودة حمدوك وتصحيح مسار الثورة، لأنه وفي أي مرحلة تتطلب دستورا انتقاليا يجب أن يأخذ في الاعتبار مطالب الشارع تحديدا، لأنها السياج الوحيد الذي يمكن أن يحتمي به هذا الدستور الانتقالي حتى تصل الثورة إلى أهدافها”.

وجهة نظر

من جانبه يقول الخبير القانوني والسياسي السوداني عادل عبد الغني: “تعتبر الوثيقة المقدمة من الورشة التي رعتها نقابة المحامين كمشروع دستور، واحدة من الإسهامات العديدة التي تقوم بها الكثير من الجهات والمكونات السياسية والفئوية لتقديم وجهة نظر للخروج بالبلاد إلى بر الأمان وهذه هي الوثيقة المقدمة التي تحتوي على وجهة نظر”.
حميدتي يرحب بمشروع الدستور الانتقالي
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “لا يمكن القول بأي حال من الأحوال أن مبادرة واحدة أو وجهة نظر من شأنها أن تخرج البلاد من الاحتقان السياسي الحالي، وإنما يمكن الأخذ بهذه المقترحات ضمن مقترحات عديدة، وأيضا تطرح جميع الرؤى والمشاريع للدراسة والحصول على ما يشبه الإجماع حولها، وهنا يتم الاتفاق حول تشخيص المشكلة وعلاجها”.

المرحلة الانتقالية

وتابع عبد الغني: “لذا نرى أن الكثير من المبادرات المقدمة والمقترحات المقدمة والمشروعات المقدمة هدفها تقنين المرحلة الانتقالية بملامح ورؤى مشتركة، لكن هناك بعض التفاصيل التي تمثل موضع اختلاف”، مضيفا: “رغم دعم هذه الوثيقة من بعض الجهات الخارجية، التي تهتم بالمشكلة السودانية، إلا أنه لا يمكن القول أنها حازت على إجماع السودانيين”.
البرهان يقبل أوراق اعتماد أول سفير أمريكي في السودان منذ 25 عاما
وتابع: “لا يمكن القول بأنها نالت الاجماع أو الدعم المقدر، وهذا ينطبق على كل المبادرات، ولا يمكن أن نقول أن هذه المبادرة أو تلك أو هذا المشروع أو ذاك قد حصل على الاجماع أو الدعم الكامل، وهو ما يطرح خيارات أمام متخذ القرار والمجلس السيادي الذي يسيطر عليه المكون العسكري، باعتباره حكومة أمر واقع، أولها الأخذ بإحدى الوثائق المقدمة له كاملة ومن ثم العمل بها، وثانيها الأخذ من كل الوثائق بصورة توافقية، أو جمع كل تلك المبادرات في مؤتمر شامل”.

غير شرعي

في المقابل يرى السياسي والحقوقي السوداني محمد الزين، أن “مشروع الدستور الانتقالي المقدم الآن والذي وجد دعم من بعض الدول الإقليمية والدولية لن يفك تعقيدات المشهد السياسي، ولن يقود إلى طريق ديمقراطي للعديد من الأسباب”.
الحكومة السودانية: أمر العلاقات مع إسرائيل ينظر فيها الجهاز التشريعي والمؤتمر الدستوري
وتابع الزين: “أول هذه الأسباب أن مجموعة صغيرة من الأحزاب والحرية والتغيير والمجلس المركزي، استغلت وجودها داخل لجنة تسيير نقابة المحامين لتمرير فكرة مشروع الدستور، حيث تم الاتفاق مع بعض السفارات على إعداد هذه المسودة أو المشروع من قبل لجنة تسيير نقابة المحامين، التي تم تكوينها بقرار من الفريق البرهان والفريق ياسر العطاء، الذي كان رئيس لجنة إدارة التمكين في ديسمبر 2019”.

وأوضح، في حديثه لـ”سبوتنيك”: “لجنة تسيير نقابة المحامين كانت مهمتها تنقية سجل المحامين وتعديل قانون المحاماة وانتخابات النقابة خلال 3 أشهر بعد تشكيلها، ومن المفترض أنها انتهت في مارس/ أذار 2020”.
وأشار إلى أن “هذه اللجنة فشلت في الثلاث أشهر، ثم تم تمديدها ثلاثة أشهر أخرى، وفشلت أيضا، وأصبحت اللجنة ليس لها وجود، وبحكم الواقع منعدمة وغير مشروعة”، مضيفا: “من ناحية تأسيس هذه الجهة، التي أصدرت المسودة، فهي جهة باطلة وغير شرعية وليس مخول لها أن تقدم دستورا وما بني على باطل فهو باطل”.

رفض تام

وأشار الزين إلى أن مشروع الدستور، الذي تقدمت به نقابة المحامين سوف يعقد المشهد ليس السياسي وحده، بل سيعقد الوضع داخل نقابة المحامين السودانيين التي يتجاوز عدد أعضائها 40 ألف محام، لأن الذين قاموا بإعداد هذا المشروع لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وهذا سيقود إلى إشكاليات كبيرة وهناك رفض تام جدا لهذا المشروع داخل أوساط المحامين، وحدثت اعتداءات”.
تجمع السودانيين في المنظمات الدولية لـ”سبوتنيك”: الوثيقة الدستورية انتهت بعد “الانقلاب العسكري”
وتابع: “المسألة الثالثة والمهمة جدا هي أن هذا القانون أو هذا المشروع ضعيف جدا ومتخبط في نصوصه وفي مرجعياته، والقارئ البسيط حينما يطلع على مسودة الدستور يجد هذا الدستور يشبه دستور نيفاشا في العام 2005، وهذا ما يعقد المشهد أكثر”.
ورحب نائب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) بمشروع الدستور الانتقالي، مؤكدا دعمه للحوار الشامل بين الجميع.

وقال حميدتي، الذي يتولى منصب قائد قوات الدعم السريع، إنه يرحب بمشروع الدستور الذي أعدته اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين، حسبما ذكرت وكالة الأنباء السودانية “سونا”، أمس الاثنين.
وأعرب حميدتي عن أمله في أن يكون مشروع الدستور الجديد خطوة على طريق بناء الثقة بين جميع الأطراف السودانية.
ودعا نائب رئيس مجلس السيادة السوداني إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل يقود إلى حل الأزمة السودانية.
ولفت إلى أنه يدعم أي جهد يمكن أن يقود للتغلب على العقبات التي تواجه حل الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، داعيا إلى دخول جميع أطرافها في حوار شامل.

وأكد محمد حمدان دقلو أهمية التوصل إلى اتفاق بين جميع الأطراف حتى يمكن استكمال الفترة الانتقالية بالصورة التي توفر الأمن والاستقرار للسودان، مشيرا إلى أنه سيطلع على مشروع الدستور الجديد لإبداء رأيه فيه وتقديم أي ملاحظات في هذا الشأن.

وفي وقت سابق، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان أن “الجيش لن يشارك في العمل السياسي”، بينما يقول مراقبون أن هذه الخطوة تجعل الحوار السياسي في البلاد ممكنا، وأنه يجب على المدنيين تشكيل حكومتهم حتى يمكن استكمال مسار التحول الديمقراطي.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع سبوتنيك الروسي

عن مصدر الخبر

موقع سبوتنيك الروسي