اخبار العالم

مبلغون عن الفساد في تونس لـ"سبوتنيك": عوقبنا عوضا عن الفاسدين

“بقيت العديد من ملفات الفساد في الرفوف، والأمرّ من ذلك أننا عوقبنا عوضا عن الضالعين في قضايا الفساد وخرق القانون”.

بهذه الكلمات، تنقل التونسية، سامية بوحامد، وهي مبلغة عن الفساد معاناة العشرات من الأشخاص ممن اختاروا الخروج عن صمتهم والتبليغ عن الخروقات التي تفطنوا إليها في أماكن عملهم العمومية.
وتؤكد سامية التي تحدثت لـ “سبوتنيك“، أن العديد من المبلغين يواجهون اليوم مختلف أنواع التنكيل والطرد والنقل التعسفية، مشيرة إلى أن معاناتهم تفاقمت أكثر منذ إغلاق الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في آب/ أغسطس 2021.
تونس.. إصدار مذكرة اعتقال بحق وزير سابق بشبهة فساد
وأحدثت تونس هذه الهيئة سنة 2011، وأوكلت لها مهمة تعقب الفساد داخل مؤسسات الدولة واستقبال الشكاوى من المبلغين وإحالتها إلى القضاء للبت فيها.
وفي مارس/ آذار 2017، صادقت تونس على قانون أساسي يضبط إجراءات الإبلاغ عن الفساد وآليات حماية المبلغين في القطاعين العام والخاص.

مبلغون دون حماية

وقامت سامية، وهي باحثة صلب معهد البحوث البيطرية التابع لوزارة الفلاحة، بالتبليغ عن رئيسها في العمل في قضية فساد مالي وتجاوز نفوذ سنة 2017، مشيرة إلى أنه لم يقع تتبعه قضائيا رغم المعطيات الدقيقة التي قدمتها للجهات المختصة.
وتؤكد سامية أنها خاضت معركة قانونية وحقوقية مع هيئة مكافحة الفساد استمرت 3 سنوات من أجل الحصول على الحماية، مضيفة “حكمت المحكمة الإدارية بتمتيعي بالحماية بعد رفض الهيئة، ورغم أن القرار صدر في يوليو 2021 لم أتمتع بالحماية سوى في شهر سبتمبر من نفس السنة”.
تونس… الرئيس يعزل 57 قاضيا بتهمة الفساد والتستر على الإرهاب والقضاة يهددون بالانتفاضة
وقالت سامية إن رئيس الجمهورية قرر إغلاق الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بعد أقل من شهر من حصولها على الحماية، وهو ما جعل قرار التنفيذ معلقا، مشيرة إلى أن العشرات من المبلغين عن الفساد بقوا دون حماية وهو ما فتح المجال لمرؤوسيهم للتنكيل بهم وطردهم من العمل.
لم تفقد سامية عملها، ولكنها تقول: “وقع تجميدي فعليا ومنعي من القيام بأي نشاط بحثي أو المشاركة في المؤتمرات العلمية رغم خبرتي الطويلة في مجال صناعة اللقاحات.. أذهب يوميا إلى العمل دون القيام بأي شيء وحين أغادر في عطلة مهنية يطالبونني بالعودة فورا”.
وتؤكد سامية أنها خضعت للاستجواب بسبب مشاركتها في مؤتمر علمي وتقديم مداخلة صلبه، بحجة عدم استشارة مرؤوسيها، رغم أن الإجراءات الإدارية تفرض الحصول على موافقة الجهة المنظمة فقط.
قدِمت سامية من معاهد باريس إلى معاهد تونس لأنها تعتقد أن وطنها أولى بخبرتها، لكنها تقول “ها أنني أجازى اليوم بشتى أنواع التنكيل فقط لأنني بلغت عن الفساد”، متسائلة ما هي الرسالة التي سيتلقفها الأشخاص الذين يكتشفون فسادا في أماكن عملهم حين يتعرض المبلغ إلى العقاب بدلا عن الضالعين في الفساد؟

حصانة الفاسدين

بدوره، أخبر كمال كمون، وهو مراقب سابق بالبنك المركزي التونسي “سبوتنيك”، أنه تفطن إلى ملف تدليس وفساد على مستوى ودادية البنك المركزي وتجاوزات في مناظرة وطنية فتحت سنة 2013 لانتداب إطارات بالبنك المركزي.
وأكد كمون أن مهمة التدقيق الداخلي أثبتت وجود تضارب مصالح وتدليس أثناء المناظرة، مشيرا إلى أن رئيس مصلحة تدخل آنذاك لضمان نجاح زوجته في المناظرة بتقديم وثائق مدلسة، فضلا عن الانتدابات المشبوهة التي لها علاقة بالانتماءات السياسية.
مؤسس “التيار الديمقراطي”: تونس تعيش مأزقا سياسيا والرئيس يتجنب المساس ببعض رموز الفساد
وأضاف: “لقد وقع إخفاء نتائج التقرير في مؤسسة تؤتمن فيها أموال البلاد، ثم واجهنا محاولات متكررة لطردنا من العمل واتهامات بثلب زملائنا، قبل أن نتحصل على قرار بالحماية من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد”.
وأشار كمون إلى أن محافظ البنك المركزي طعن في قرار التنفيذ رغم دقة المعطيات التي توصلت إليها مصلحة التدقيق، مؤكدا أنه نجح في النهاية في الحصول على طلب بالتنفيذ من المحكمة الإدارية ولكن لم يقع تطبيقه إلى حد اليوم ثم حفظت القضية.
وأضاف:

“لا أعتقد أن المسألة تتعلق فقط بتوفير الحماية للمبلغين عن الفساد، فمحاربة هذه الظاهرة تتطلب أيضا إصدار قانون لرفع الحصانة عن المسؤولين الفاسدين في البلاد”.
وتحدث كمون على لسان العشرات من المبلغين عن الفساد قائلا “نحن نطالب رئيس الجمهورية بسن مرسوم يقضي بإعادة المبلغين عن الفساد إلى أماكن عملهم إلى حين استكمال إجراءات التقاضي التي تطول سنوات، فالعديد منهم طردوا من عملهم وتشردت عائلاتهم وبعضهم واجه السجن بسبب عدم قدرته على خلاص ديونه”.
وأضاف كمون: “حينما يصدر القضاء أحكاما لصالح المبلغين عن الفساد الذين طردوا من عملهم، فإن الشعب هو من سيدفع التعويضات المالية لهؤلاء.. ألا يعد ذلك شكلا من أشكال الفساد؟”.

وقف الانتهاكات ضد المبلغين

ويتجاوز عدد المبلغين عن الفساد المعنيين بإجراءات الحماية 300 مُبلغ، قاد مؤخرا العشرات منهم تحركات احتجاجية أمام قصر الحكومة بالقصبة للمطالبة بـ”تمكينهم من الحماية وإعادة المطرودين منهم إلى مراكز عملهم وتسوية وضعيتهم المالية ومحاسبة الفاسدين”.
ويقر مرصد الشفافية والحوكمة الرشيدة في بيان له، بأنه منذ صدور قرار إغلاق الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، “لم يتمكن العديد من المبلغين عن الفساد من الحصول على قرارات حماية، مما جعلهم ضحية للتنكيل والتعذيب والنقل التعسفية والهرسلة والقضايا الكيدية”، خاصة وأن العرائض المرفوعة بهذا الخصوص عادة ما لا يتم التعهد بها من قبل النيابة العمومية رغم جديتها.
غضب حقوقي في تونس بعد تسريب ملفات هيئة مكافحة الفساد
ويشير رئيس مرصد الشفافية العربي الباجي في تصريح لـ”سبوتنيك”، إلى ضرورة وقف الانتهاكات في حق المبلغين عن الفساد وإيجاد إطار تشريعي يضمن حقوقهم بعد غلق الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
ويؤكد الباجي أن العديد من المبلغين عن الفساد توجهوا إلى القضاء للبت في ملفاتهم ولكن لم يقع النظر في قضاياهم إلى حد الآن، معتبرا أن هذا الأمر يحفز الضالعين على الفساد على ارتكاب مزيد من الجرائم وينفر المبلغين من تقديم شكاواهم.
وسبق وأن دعا مرصد الشفافية رئيس الجمهورية إلى إحداث لجنة مشتركة مع رئاسة الحكومة، للنظر في المظالم المسلطة على المبلغين عن الفساد بغاية إنصافهم ورد الاعتبار إليهم وجبر ضررهم، ومحاسبة الفاسدين الذين تمت هرسلتهم على إثر التبليغ عن فسادهم.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع سبوتنيك الروسي

عن مصدر الخبر

موقع سبوتنيك الروسي

أضف تعليقـك