اخبار ليبيا الان كتابات

زوبعة استقالة وزير التعليم الاستعراضية: الإجراء الصحيح في التوقيت الخطأ … بقلم / محمد الامين

ايوان ليبيا
مصدر الخبر / ايوان ليبيا

زوبعة استقالة وزير التعليم الاستعراضية: الإجراء الصحيح في التوقيت الخطأ  …  بقلم / محمد الامين

أحدثت الأزمة التي تعصف بمختلف مستويات قطاع التعليم في ليبيا ردود فعل متباينة من عامة الليبيين خلال الأيام الماضية، وتحولت إلى قضية رأي عام تُضاف إلى هموم الوطن الأخرى الناشئة عن الحرب وتعقيدات الوضع المعيشي والاقتصادي والأمني.

وتأتي الإضرابات والاعتصامات التي شنّها المعلّمون منذ أسابيع في صدارة التطورات باعتبار ما انجرّ عنها من تأخير واضطراب في انطلاق العام الدراسي قابلها الوزير عبد الجليل بطريقة لم يستسغها المضربون، فدخل الطرفان في عملية شدّ وجذب خرجت أحيانا عن اللياقة والمسئولية، مما أثار استياء واحتقانا في صفوف المواطنين، باعتبار أن أبناءهم هم المتضرر الرئيسي مما يجري.. ثم اتخذت الأمور منحىً تصعيديّا وصل حدّ اتخاذ الوزير قرارات عقابية ضد المضربين تنوعت بين الفصل من العمل وايقاف مرتبات عشرات الآلاف، ووقف قرارات تعيين أو التراجع عنها..

العديد من الليبيين تساءلوا عن هذه “المعاندة” و”الخفّة” في التعاطي مع قضايا معقّدة وجوهرية في المجتمع.. وآخرون انتظروا قرارات هامة من مستويات أعلى من الوزارة، كالمجلس الرئاسي أو رئيس الحكومة أو ديوان المحاسبة!! ولم يطل الانتظار،، حيث تتالت التدخلات “العليا” ليصل الأمر إلى إعلان الوزير استقالته، بعد قرار حكومي بـ”تفجير وزارته” إلى شطرين كان سيفضي حتما إلى فقدان عبد الجليل منصبه بعد مدة لا تتجاوز شهرا من الزمن على اقصى تقدير!! وهذا ما يجعل من الاستقالة “إجراء استعراضيا” الهدف منه ترميم الصورة أمام الرأي العام ، وإرضاء الكبرياء الشخصي للإيحاء بأن الوزير هو من بادر بمغادرة المنصب قبل أن يبتدع السراج قرارا ماكراً للخلاص منه، هذا على افتراض أن استحداث وزارة للتعليم العالي قد كان يُراد منه تحجيم صلاحيات الوزير..

هل كانت ليبيا تحتاج هذا الإعصار؟ وهذا التصعيد؟ وهل كان قطاع التعليم سينجُو بنفسه من أزمة بلد بأسره؟ وهل كانت المعالجات في مستوى التحديات؟ هذه أسئلة ربما لا تخطر على بال المعنيين بالأزمة، لأن كلّ منشغل بالجانب الذي يخصه أو بالأحرى بمصلحته الشخصية أو القطاعية..

قطاع التعليم لم يكن ضحية لعناد وزير أو لمحدودية خبرة مسئولين.. أو لواقع اجتماعي وأمني متعسّر يعيشه المعلمون في ليبيا.. فما يجري في هذا القطاع المهمل المهمّش انعكاس طبيعي للازمة الوطنية الشاملة، ولحال الضياع التي تعصف بالوطن ككلّ.. فالمعلمون الذين يطولهم جانب كبير من اللوم والشيطنة بسبب “تقديم” مصالحهم الخاصة، وتمسكهم وتعنّتهم بالمطالب القطاعية، هم في الحقيقة المحرك الرئيسي للعملية التربوية والتعليمية.. فهؤلاء هم ضحية الأوضاع الاجتماعية والغلاء ودمار البنى التحتية للمؤسسات التعليمية.. وهم كذلك ضحايا لانعدام الآمن والاستقرار، ولسياسات الانتدابات العشوائية وتكدّس الملاك الوظيفي التعليمي بشكل يستحيل معه تلبية احتياجاته المادية واللوجستية والضمانية وربما الأمنية كذلك.. المعلمون وجدوا أنفسهم بين مطرقة الظروف القاسية وشيطنة ولوم أولياء الأمور والرأي العام، وهذا حوّلهم إلى طرف ضعيف في مواجهة الوزارة، ولم يترك بأيديهم سوى ورقة الإضراب والاعتصام.. وهؤلاء إنما هم مواطنون يعيشون في هذا المجتمع قبل أن يكونوا معلّمين، ولديهم عوائل واحتياجات وكرامة وكبرياء ولا يطالبون إلا بتوفير ما يحفظ كرامتهم وأمنهم ويساعد على أداء وظيفتهم..

أما الوزارة وهي الممثلة في شخص الوزير عبد الجليل في واقع الحال، فهي بدورها ليست في مأمن من الضغوط والإكراهات، لكنها في نهاية الأمر سلطة مشرفة، يفترض فيها الصبر والمرونة والتفهّم والمسئولية، ويفترض فيها أيضا أن تحافظ على شعرة معاوية بينها وبين ملاكها الوظيفي والإداري كي لا تتشنج علاقتها به ويطغى عليها المدّ والجزر.. والوزير الذي هو مسئول إداري ويحمل حقيبة بهذه الأهمية، هو الذي يدفع فاتورة فشل التحاور والتفاوض، وهو الذي يستفيد أيضا من نجاحه ويراكم مكاسب التفاهم والانسجام مع كل من يقعون تحت سلطته.. لكنه الوحيد الذي يدفع منصبه ثمنا للفشل، بينما سيبقى المعلمون في وظائفهم.. وسيتعاقب الوزراء تباعا ويستمر المعلّمون..

كان عبد الجليل يدرك جيدا أن فرص بقائه في منصبه قد تضاءلت بعد وصول الأمور إلى طريق مسدود، وبعد استمرار حراك المعلمين رغم تهديده بوقف الرواتب وتعليق المستحقات.. وكان يدرك أيضا أن الأعداد المهولة من المعلمين الفائضين عن الحاجة قضية وطنية لن تُحلّ بشطبهم أو الاستغناء عنهم بشكل كلّي ومباغت..

هذه القضية تحتاج استشارات متعددة الأطراف تجمع المعنيين ونقاباتهم بالوزارة، وبالجهات التنفيذية العليا والتشريعية كذلك.. ومن شأن توسيع الاستشارات مع وزارات وقطاعات أخرى أن تفتح فرصا جديدة لتوزيع هؤلاء وتوجيههم نحو دوائر وجهات حكومية أو غير حكومية أخرى يمكنها استيعابهم والاستفادة من خدماتهم دون الإخلال بحقوقهم، ودون إثقال كاهل الوزارة بأعباء لا قِبَل لها بها..

لقد فشل عبد الجليل مرتين..

..مرة عندما فوّت على نفسه فرصة تحقيق إنجاز شخصي من العيار الثقيل لو صبر اكثر واجتهد في إيجاد حلّ عقلاني وحكيم، بدل الانسياق خلف المعاندة والكيد، وفي معركة كسر عظم لم تكن لتنتهي بانتصاره في كل الأحوال..
..ومرة أخرى عندما تأخر في الانسحاب من موقعه بمجرد تأكده من استحالة حلّ المشكل العالق في وزارته.. حيث كان عليه الاستقالة حينها عندما كان بين يديه من الحجج والمسوغات ما يحوّله إلى ضحية أو بطل حُرِمَ من أدوات العمل والنجاح..

أما وقد أهدر عبد الجليل الفرصتين، فقد غادر موقعه بهزيمتين، واحدة ضد المعلمين وأخرى ضد حكومته وخصومه.. والمحصلة أن عدم اتخاذ القرار السليم في وقته يضاهي اتخاذ القرار الخطأ في فداحته.

وللحديث بقية.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

ايوان ليبيا

ايوان ليبيا

أضف تعليقـك