كتابات

كيف يفكر مسؤول الجنوب الليبي؟ لقاء مع البعثة الأممية نموذحا

ليبيا الخبر
مصدر الخبر / ليبيا الخبر

عبد المنعم الجهيمي/ كاتب وصحفي من سبها

قبل أيام التقت نُخب الجنوب مع رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا غسان سلامة، في يوم سوقت له البعثة تحت اسم، يوم الجنوب الليبي في الأمم المتحدة، فكان يوما للجنوب بامتياز.

لطالما تساءلت عن سبب تهميش الجنوب، رغم إني لا أحبذ هذا النمط من التفكير والطرح، فتهميش أي شئ يبدأ منه، قبل غيره، ولا يشذ الجنوب عن هذه القاعدة، ولكن افترضتُ جدلا أنه مهمش وتساءلت عن السبب، فكان الجواب واضحا جليا في يوم الجنوب في الأمم المتحدة، كانت النخبة المدعوة مثالا جيدا يمكن أن تقيس به درجة وعي وإدراك من يحتكون بالمنظمات الأممية وطريقة تعاملهم معها.

ولعل ذلك هو الذي دفع الأمم المتحدة إلى بداية الملتقى بعرض إنجازات ومشاريع المنظمة في الجنوب، لتقطع على الحاضرين الطريق قبل أن تجود قرائحهم بالنقد والمطالبة، فكانت عروض كل من منظمة الهجرة الدولية، ومفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية، واليونيسيف، مفصلة وواضحة لكل مشاريعها، صور وتقارير ولقاءات، مدارس في أوباري وسبها والقطرون، مستوصفات ومستشفيات، ورش عمل وتدريبات.

هذه المشاريع تضع خطتها لجان مختصة وتراعي فيها عدة شروط ومعايير، منها مدى احتياج المنطقة أو المدينة، ودور هذا المشروع في تعزيز الاستقرار داخل المدينة خصوصا المدن التي شهدت اضطرابات أمنية وصراعات، إلى غير ذلك من المعايير التي لم تكن تلك النخبة ولا تزال على جهل بها.

بعد هذه العروض وهذه التوضيحات بدأت النخبة في الحديث، لأعرف سبب ما يسمونه التهميش للجنوب، عمداء وأعضاء بلديات، قيادات في مؤسسات مدنية، نواب وأعضاء مجلس أعلى للدولة، كل هولاء كان حديثهم وملاحظاتهم دون المستوى الذي ظننتهم عليه.

يا سلامة ليش ماصلحتولنا مدارسنا زي ما صلحتوا مدارس أوباري، ليش ماخبرتونا عن المشروع التدريبي اللي اشتغلتوه في المدينة الفلانية، يا أمم متحدة شن قدمتوا في ملف ظاهرة الدعارة اللي انتشرت في الجنوب، يا أمم متحدة الطريق من الجنوب لطرابلس مكسرة ليش ماصلحتوها؟، يا أمم متحدة المبالغ اللي تجكوا انكم صرفتوها كبيرة وأغلبها صرفتوها في المدن الفلانية ونحنا همشتونا، يا أمم متحدة الأمن متدني وانتم مزال ماحطيتوا حل للأمن، يا أمم متحدة جامعتنا وضعها سئ وانتم ماعملتولها برنامج لدعمها؟

لم أكن أظن أن الجهل بمهام ودور الأمم المتحدة وصل إلى هذ الحد لدى (النخبة)، ولكن خطر ببالي أن فقدان معالم الدولة بشكل كامل في الجنوب قد يكون هو ما دفع هؤلاء للتعلق بالأمم المتحدة ومشاريعها، ففي السنوات الأخيرة لا تقوم أي من حكومتيْ ليبيا بأية مشاريع، لا مدارس لا مؤسسات صحية ولا طرق، والمشاريع الوحيدة المقامة هي من إنجاز الأمم المتحدة، إذا من المنطقي أن يأمل هولاء في زيادتها وأن تعم الجميع في الجنوب(المنسي).

ولكن هذا مع فرض وجود حسن النية لدى (النخبة) وهو أمر غير متحقق تماما، فالموجودين هم أحد أسباب غياب الدولة أو قصورها في الجنوب، المجالس البلدية التي جثمت فوق مدنها وتدير الأزمات فيها بنجاح ضمن استمراريتها أي الأزمات وبالتالي ديمومة هذه المجالس؛ بل صارت تستخدم مشاريع الأمم المتحدة للدعاية لنفسها بشكل مقزز، أعضاء النواب والمجلس الأعلى وهم يحيون في ترف ورغد من العيش ولم يقدموا شيئا لمدنهم ومناطقهم، نشطاء المجتمع المدني التي صارت تعتاش من منح المنظمات الأممية، وصار انتقادها لهذه المنظمة مشوبا بشبهة الطمع في بعض أموالها أو الحسد لمؤسسات مناظرة لها نجحت في جلب الدعم منها.

كل هذه الشُبهات رافقت انتقادات النخبة الجنوبية لعمل الأمم المتحدة، وصارت بدل أن تتحدث عن مسار الحوار السياسي ومصير الاتفاق المبرم بين الأطراف المتصارعة برعاية الأمم المتحدة، والدستور وضرورة أو عدم ضرورة الاستفتاء عليه قبل الانتخابات، صار عن فرص ضاعت من هؤلاء في الفوز بامتياز إدارة مشروع هنا أو هناك.

ولعلّ ذلك ما أكسب غسان سلامة موقفا قويا جعله يتحدث بثقة مع النخبة ويرد عليها بشكل صارم، شارحا ولايته بعد أن لمِس مدى قصر نظر النخبة وبساطة أحلامها وضحالة طرحها وتناولها لقضايا منطقتها.

كان هذا اللقاء كفيلا بإجابة كل الأسئلة عن الجنوب لأهل الجنوب، وهنا لا أُنزِهُ أحدا وأقول أن الممثلين كانوا سيئين؛ وكان من المفترض أن يقع اختيار من هم أفضل لهذه المهمة، لأني أكاد أُجْزم أن هذه البضاعة هي الرائجة والسائدة والمعبرة عن الجنوب، والاعتراف بها ليس عيبا بل هو عين الحكمة، تلك الحكمة التي جعلت هولاء المنتقدين يقفون في طابور البوكيت مني الذي كان زبدة اللقاء لمعظمهم قبل أن يعودوا لمدنهم حاملين صور السيلفي مع غسان سلامة فرحين مستبشرين، فقد نالوا الدعاية وفازوا بالدولار وبس.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا الخبر

عن مصدر الخبر

ليبيا الخبر

ليبيا الخبر

أضف تعليقـك