كتابات

لبس الممزق تمزيق للوعي

ليبيا الخبر
مصدر الخبر / ليبيا الخبر

عبد القادر الاجطل/ كاتب وصحفي ليبي

المرجعية التي يؤمن بها الإنسان، إن كانت مرجعية متجاوزة تؤمن بأن الله تعالى هو خالق الكون ومدبره، وأنه إله يستحق العبادة وحده لاشريك له.

أو كانت مرجعية كامنة في الأشياء تستنكف عن أن يكون للعالم مرجعية من خارجه، فالإنسان مرجعيته كامنة فيه، والطبيعة أي المادة مرجعيتها كامنة فيها، كما عبر عن ذلك الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في عديد الأبحاث والمحاضرات والندوات.

هذه المرجعية يبدو أثرها في سلوك الإنسان ومظاهر حياته وطرق عيشه، فالإنسان الذي يؤمن بالله تعالى ربا، لا شك أنه يختلف في كل شيء عن ذلك الإنسان الذي لا يؤمن بالله تعالى ربا.

راودتني هذه الأفكار وأنا ألاحظ ما يظهر على لباس الناس من تجاهل للمرجعية التي أعلنوا انقيادهم لها بمجرد دخولهم إلى الإسلام.

فاللباس ستر وزينة، ستر يحجب ما ينبغي حجبه عن أعين الناس الأجانب، وزينة تظهر الإنسان في مظهر جميل لائق بين أقرانه.

وحين تنظر معي إلى ما يلبسه بعض أبناء جلدتنا من الرجال هذه الأيام، تصاب بالدهشة من غياب الستر والزينة، إنهم يلبسون ثيابا ممزقة يشترونها بأغلى الأثمان ويتباهون بها، دون وعي لما تحمله هذه الثياب من معنى أو ما تنطوي عليه من مرجعية.

لماذا يلبس شاب في مقتبل العمر سروالا ممزقا من أعلى ركبته في أكثر من مكان، إنه اختاره من المحل ودفع فيه أغلى الأثمان، هل فعل ذلك عن وعي أم عن غفلة، بعلم أم بمجرد التقليد الأعمى؟

وهل سأل صديقنا هذا  نفسه عن الصلاة وكيف سيصنع فيها؟

هل سيغطي ما كشفه سرواله الممزق؟

أم أنه سيؤخر الصلاة إلى حين عودته إلى بيته؟

وهل يستطيع صديقنا المحترم هذا أن يقف أمام والده ووالدته بهذا السروال الممزق الذي يكشف جزءا من فخذه؟

ثم ما هي قصة هذا الثوب الممزق، ولماذا يلبسه الشباب في كل القارات، على حد سواء.

هل ظهرت هذه التقليعة تعبيرا عن نوع من التمرد على الأنماط السائدة في المجتمعات الاستهلاكية كما يقول البعض؟

وهل كانت بدايتها فعلا بتلطيخ البنطلونات بالطلاء تعبيرا عن النقمة على المجتمع الاستهلاكي الذي يضطهد العاملين، ولم يكن تمزيق الثياب حينها جزءا منها.

ثم من هو الذي أدخل تمزيق الثياب على هذه الظاهرة؟

ومتى صعدت بيوت الأزياء ودهاقنة الموضة على الظاهرة وصنعت منها تقليعة وموضة يتنافس الشباب من الجنسين على ارتدائها؟

وهل هي تعبير عن العصرنة و الأناقة المتوافقة مع بيوت الأزياء العالمية؟

التقليد الأعمى دون تبصر يوقع الإنسان أحيانا فيما لا تحمد عقباه، وربما كان مؤشرا على سطحية الفكر، والتعجل وعدم التروي في أحيان أخرى، والعاقل من ينأى  بنفسه عن هذه الصفات الذميمة.

ما ضرك ما دمت مهتما بتطوير نفسك والارتقاء بفكرك وتنمية مهاراتك عدم اتباعك للموضات المبتذلة، مع اختيارك للملابس اللائقة الأنيقة، التي تظهرك بصورة حسنة لدى الناس، ولا تضعك في مواضع الظن السيئ باختيارك ملابس يرتديها بعض من لا تعرف مقاصدهم.

وأجد نفسي متوافقا مع من يقولون بأن اللباس الممزق هو أحد إفرازات ما بعد الحداثة، “ثمة نزعة ما بعد حداثية في هذا المنحى الذي يعيد تعريف الملابس باتجاه يقلب معايير المواصفات نحو التفكيك والتمزيق والإتلاف، ثم يفرض النماذج الجديدة الممزقة والمهترئة في صورة مثالية تضع فكرة الملابس “السوية” من أساسها موضع شكّ. ومع المبالغة في اتساع الثقوب والفجوات تفقد الملابس معناها ووظيفتها الأساسية لصالح معانٍ ووظائف مستجدة، وقد يشعر بعضهم بالحرج لأنّ ملابسهم ليست “سوية”؛ أي أنها ببساطة ليست ممزقة أو مهترئة” من مقال “خاضعون بالجينز الممزق” للباحث حسام شاكر.

وهو ما يعيدنا إلى العمق المعرفي للقصة، والحديث عن المرجعية المتجاوزة أو الكامنة، ففكر وفلسفة ما بعد الحداثة تتعمد تضييع المعنى وتمييع الثابت وتعطيل الأخلاق والقيم، وهي تتفنن في التفكيك غير المتناهي دونما أدنى تركيب.

ما بعد الحداثة هي تمرد على الإنسان وكل ما هو إنساني، فبعدما تمرد الفكر الغربي على الإله لصالح الإنسان، ها هو يقصي الإنسان لصالح الطبيعة أي المادة، ومع هذا المنحى الأخير لم يعد هناك معنى للأخلاق والقيم إلا بمقدار ما هي نافعة ماديا، ومجدية اقتصاديا، فالتسليع وهو تحول كل شيء إلى سلعة، ورفض المرجعية المتجاوزة، يظهر في ما تنتجه هذه الفلسفة التي تحكم المجتمعات الغربية اليوم، وإلى أن يعلن المفكر الغربي نهاية ما بعد الحداثة، وبداية مرحلة عودة المعنى وعودة الأخلاق، سيبقى الكثير من أبناء جلدتنا يرتدون الممزقات على أجسادهم.

ولكن وفي وقفة سريعة مع مرتدي هذا السروال الممزق، هل يرمزون به إلى تمزق كياننا الثقافي والمادي، أم إلى تفكك بنياننا الحضاري والمعرفي، أم أنهم يشتكون أمورا أقرب إلى حياتهم اليومية، مثل تفكك الروابط الأسرية، وغياب المشاعر العائلية الدافئة، أم إنها سيناء جديدة يتيه فيها الجيل أربعين سنة، حتى يخرج من بينهم من يجدد لهم وعيهم ويزيل الغشاوة عن أبصارهم.

قد تكون هذه أو تلك، ولكننا لا نفتأ نؤكد على أن التقليد لثقافة الغالب ليس دائما مفيد للشعوب المغلوبة ماديا ومعنويا، بل المفيد لها أن تنتج ما تحتاجه ثقافيا ومعرفيا وعلميا لتتمكن بعد ذلك من إنتاج ما تأكل وتلبس، عندها سيحسب لها حساب في عالم لا يعترف بغير المنتجين في مختلف المجالات، أما المستهلكون فأولئك عالة على من ينتج لهم، لا فكاك لهم من هيمنته، ولا محيص لهم عن تقليد مشيته العرجاء، وغنائه السمج، وموسيقاه النشاز، وفوق ذلك لبس ثيابه الممزقة.

الثوب يضفي على لابسه من لونه وتصميمه كسوة من الوقار، أو ينزع عنه تلك الصفة ويكسوه بأخرى من الخفة والطيش، فاللباس من نمط العيش، الذي يشكل جزءا من الثقافة، وينحت مع أشياء أخرى ملامح الشخصية الوطنية عبر الأجيال الممتدة.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا الخبر

عن مصدر الخبر

ليبيا الخبر

ليبيا الخبر

أضف تعليقـك