كتابات

التعايش السلمي بين الجميع.. لا غالب ولا مغـلوب

نظراً لما آلت إليه الأمور في وطننا الغالي من سوء وتسارع في انسداد أفق التوصل إلى حل بين المتحاورين الرئيسيين لتعديل الاتفاق السياسي الموقع في 17-12-2015 بمدينة الصخيرات المغربية فانه لا مناص من التفكير في حل ينهي حالة الدوران في حلقة مفرغة مما يزيد من تضخم معاناة الجميع.
أولا: مرتكز هذا المقترح أن الكل بلا استثناء أصبح يدرك أن الدولة الليبية تنهار رويدا رويدا وتضيع من بين أيدينا بسبب المماحكات السياسية واختراع نقاط الخلاف والتمترس خلفها وفرض الأقلية رأيهم على الأغلبية. وقد أمضينا سنتين في هذا الجدل السفسطائي العقيم ولذلك لا بد وأن يعود لنا رشدنا ونتحلى بالحكمة والشجاعة لانهاء هذه الفوضى السياسية المدمرة بايجاد حلول تنبع من ذاتنا لننقذ وطننا. ومن هذا المنطلق اجتهدت لكتابة هذا المقترح وعرضته على مجموعة غير قليلة من أعضاء المجلس الذين أبدوا شاكرين ملاحظات أخذتها في الاعتبار ويشرفني اليوم أن تتاح لي الفرصة لعرضها عليكم عسانا نصل بهذا المقترح الى صياغة أفضل مما هي عليه الآن .
المقترح يتلخص في الدعوة لاتخاذ خطوتين متلازمتين.
1. ايقاف هذا التدهور المتواصل الذي أنهك المواطن وعطل قيام الدولة وذلك بالسعي لايجاد حلول ترميمية عاجلة وصولا الى حلول جذرية تؤسس الى المراحل الدائمة.
2. هناك قناعة لدى الجميع أننا في حاجة ملحة في الوقت الراهن للانتقال الى فترة لتحقيق التعايش السلمي بين الجميع .. لا غالب ولا مغـلوب بين كافة المتخاصمين سياسيا وعسكريا من أجل تهدئة الخواطر وتهيئة مناخ سياسي مناسب يساعد على تأسيس الدولة الليبية على أسس دستورية صحيحة. مما سيعكس نتائج ايجابية على تحقيق مشروع بناء الدولة ورفاهية المواطن.
ثانيا: لا نرى امكانية الوصول الى توافق لتعديل الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات من خلال الحوارات المتعددة وآخرها الذي تديره بعثة الأمم المتحدة مشكورة في تونس نظرا لتمترس كل طرف خلف مطالبه وما يكتنف العملية من تدخلات خارجية بأفكار ومقترحات لا تدرك عمق الذات الليبية وخصوصيتها . وبالتالي فان مرحلة الفوضى الحالية وعدم وجود حكومة واحدة فاعلة ومسيطرة ستتنامى الى شكل أكثر رعبا مما هي عليه الآن.
ثالثا: الانتظار حتى نصل الي نتيجة ( ثانيا ) يضعنا كسياسيين في خانة العاجز عن التفكير متقدم المراحل لحل مشاكل الدولة . وسنوصم بأننا أحد الأطراف التي ساهت في انهيار الدولة الليبية حيث أننا منذ سنتين نبذل جهودا مضنية في محاولات يائسة لترقيع ثوب الاتفاق السياسي.
رابعا: هناك قناعة مسبقة أن المؤتمر الذي اقترحه المبعوث الأممي السيد الدكتورغسان سلامة لن ينتج الا مزيدا من الفوضى والارتباك والانهيار لأن الصراع في ليبيا صراع على الكراسي والمناصب والمكاسب فضلا عن أنه صراع جهوي بامتياز وليس تنافسا على من يقدم الأفضل للوطن. وان قُدر لهذا المؤتمر أن ينعقد فانه سيكون اضافة سلبية مدمرة لخلط الأوراق وتشعّب واطالة الصراع المحتدم. هذا المؤتمر هو نتاج تفكير رومانسي بعيد جدا عن الواقع المعاش. الا اذا كان الهدف منه مباركة ما يمكن التوصل اليه من حل.
خامسا: لسنا بحاجة الى عمليات ترقيع للاتفاق السياسي التي لا محالة ستفجر خلافات جديدة ولكننا بحاجة ضرورية ماسة وملحة لتهيئة المناخ السياسي اللازم للبدء في تأسيس الدولة الليبية المفككة الآن تأسيسا صحيحا من خلال مؤسسات دستورية موحدة وعلى مبدأ الكل شريك في الوطن ويتمتع بحق المواطنة. وعلينا أن ننأى بأنفسنا عن مراحل الترقيع والذهاب مباشرة الى صميم استحقاق تأسيس الدولة الليبية فبالارادة الليبية وبمساندة الأمم المتحدة نستطيع أن نحقق ذلك. لقد حان الأوان أن تتوفر هذه الارادة وبقوة فهذه مسؤوليتنا التاريخية التي يجب أن نتحملها بشجاعة متوشحة بروح وطنية عالية.
سادسا: علينا أن نفكر بصوت عال في أن نحد من هذا الانهيار الحاصل للدولة الليبية في كافة الأمور والدوران في حلقات مفرغة بحثا عن حلول قد تأتي أو لا تأتي ، أو ، ما أن تأتي حتى تتبدد. ولا معنى لوجودنا واستمرارنا في المشهد السياسي ان لم نفعل ذلك. علينا أن نفكك الأزمة ونتوصل الى خطط عملية ترضي الضمير الوطني وتنهي كافة التجاذبات والمماحكات وذلك لتحقيق تعايش سلمي بين جميع أبناء الوطن الواحد.. لا غالب ولا مغـلوب يمكّن الدولة من التقاط أنفاسها ونؤكد ونثبت من خلالها للداخل والخارج أن الحل يأتي من ليبيا ومن أبنائها فهم وحدهم القادرون على تجاوز خلافاتهم وتضميد جراحهم وبناء دولتهم وذلك بالاعلان عن تبني خارطة طريق مكونة من فترتين:
الأولى: فترة قصيرة الأمد واطارها الزمني من أربع الى ستة أشهر لانجاز اصلاحات ترميمية ضرورية وملحة ومنها:
1. استنادا الى المواد (1 و 2 و 8 و12) من المبادئ الحاكمة في الاتفاق السياسي و المواد ( 3 و5 و12) من باب الأحكام الاضافية ننطلق للعمل على التوصل الى اتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة على تشكيل حكومة وحدة وطنية مصغرة من التكنوقراط تتكون من 8 الى 12 عضوا بدون ميزانيات تنمية وخلافها وانما تقتصر على بنود الرواتب والدعم والتسيير فقط . مهمتها الاعداد والاشراف على انتخابات تشريعية في كامل أرجاء البلاد ولها وحدها هذا الحق.
2. يتوافق كلا المجلسين على اصدار قانون انتخاب السلطة التشريعية الجديدة على غرار انتخاب المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب.
3. تشكل هذه الحكومة بالتوافق بين مجلسي الدولة والنواب بالمناصفة ومنحها الثقة وفق مهام محددة منها:
• تسيير الأعمال اليومية في الدولة.
• الاعداد والاشراف على الانتخابات التشريعية.
• التعامل مع القضايا الطارئة والعاجلة محليا ودوليا بالتنسيق مع مجلسي النواب والدولة.
• التواصل مع الهيئات والمؤسسات المحلية والدولية لحشد دعمهم ومساهماتهم في انجاح الانتخابات التشريعية.

4. يشترك المجلسين في اعتماد نتائج الانتخابات التشريعية ودعوة الجسم التشريعي الجديد للانعقاد ويسلمانه السلطة في البلاد. وبذلك ينتهي كل اللغط والصراع وتهدأ النفوس وتدخل الدولة الليبية مرحلة التأسيس الدائم لمؤسساتها الدستورية.

5. والى حين الانتهاء من الانتخابات التشريعية واعتماد نتائجها وتسليم السلطة للجسم التشريعي الجديد التي ستستغرق ستة أشهر يتولى كل من مجلس النواب ومجلس الدولة العمل بجهود مكثفة من خلال أعضائهما واللجان المنبثقة عنهما بالنزول للشارع للعمل على تفعيل المصالحة الوطنية وفق برامج متنوعة لاشاعة ثقافة التعايش السلمي والتصالح بين أفراد المجتمع الليبي وأطيافه وبناء الثقة وعودة اللحمة الوطنية والتسامح والدعوة لممارسة هذه القيم عمليا من خلال برامج ثقافية واجتماعية ومهرجانات فنية ورياضية وزيارات احتفائية بين المناطق والمدن الليبية المختلفة وخلافها من البرامج. ودعوة كافة وسائل الاعلام المختلفة الانخراط في هذا العمل وابراز برامج المصالحة الوطنية. ومن شأن هذه الحملة أن تهدئ النفوس وتطمئن الخواطر ليتحقق الاقبال على الانتخابات. وسوف يكون العمل أكثر من رائع مشاركة بعثة الأمم المتحدة في هذا العمل.

الثانية: الفترة الدائمة واطارها الزمني أربع سنوات يباشر فيها الجسم التشريعي الجديد التالي:

1. اتخاذ الخطوات اللازمة للشروع في تأسيس الدولة الليبية على أسس دستورية قوامها دولة عصرية ديمقراطيىة مدنية يحكمها القانون وحق المواطنة وحرية الرأي والتعبيروالتداول السلمي على السلطة.
2. اتخاذ ما يلزم من ترتيبات قانونية لاختيار رئيس مؤقت للبلاد وتعيين ومنح الثقة للحكومة اطارهما الزمني أربع سنوات خلال شهر من تاريخ انعقاد جلسته الأولى.
3. البث في موضوع الدستور الدائم للبلاد وطرحه للاستفتاء العام.

وبذلك تكون ملامح الدولة الليبية الموحدة قد تشكلت على أسس صحيحة بمؤسسات دستورية وسلطات ثلاث كل منها موحدة لا تنازع على أي منها لتبدأ مرحلة الاستقرار والبناء والتنمية والتعميير وتحقيق رفاهية المواطن والدولة.

أنا على يقين راسخ ولدي قناعة أنكم تشاركونني هذا اليقين بأن الحل لا بد أن يأتي من الداخل ومن أبناء ليبيا وحدهم بمؤازرة من بعثة الأمم المتحدة فالمشكلة مشكلتنا ولا يجب أن نستمر في تسليم قيادتها أو التفكير في حلها الى غيرنا من الدول الاقليمية. نحن الواقفون في لهيب النيران وليسوا هم . ولذلك فان المقترحات التي تأتينا من الخارج لها الاحترام وسعيهم مشكور ولكنها أدخلتنا طيلة سنتين ونيف في دهاليز وتشعبات عطلت عقولنا وتفكيرنا وعقّدت المشهد في ليبيا ولم تساهم في حله الا بالقدر الوفير الذي وصلنا منهم من البيانات السياسية المعسولة. ان المقترحات الاقليمية والدولية تبقى قاصرة وغير قادرة على الوصول الى حل لأن منها ما هو غير مخلص ولا شفاف ولا صافي النية والغرض . اذ لكل طرف منهم تفكيره الخاص وقياساته الخاصة ومصالحه الخاصة وجميعها تؤدي الى المزيد من التفريق ولا تؤدي الى تكريس التوحيد ولذلك علينا أن ننتبه الى أي مأزق قد نقع فيه بحسن نية أو خلافها. نحن أبناء هذا الوطن من يعرف مصلحته وهي مسؤوليتنا الوطنية بامتياز وعلينا تحملها بشجاعة وشرف الوطنية.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع عين ليبيا

عن مصدر الخبر

عين ليبيا

عين ليبيا

أضف تعليقـك