كتابات

الملكية لا أنجزت الاستقلال ولا ضيعته

ليبيا الخبر
مصدر الخبر / ليبيا الخبر

محمد أبو فلغة/ كاتب ليبي

 

قرأتُ مؤخرًا مقالًا على موقع ليبيا الخبر بعنوان “الملكية .. مُنجزة الاستقلال ومضيعته” كتبه صديقي المبروك الهريش. يُسلط المبروك أضواءه بذكاء على قضية الملكية، ويحاول أن يعيد التوازن إلى ذكرى الاستقلال التي تُذكر دائما بنبرة اعتزاز وتمجيد حسب وصفه. بيد أن الطرح في ذلك المقال لا يخلو من عِلل جوهرية.

 

بدايةً، العنوان نفسه يوحي بأن النظام الملكي هو من انتزع الاستقلال وحرر البلاد من مستعمريها. في الواقع، كان لاتفاق وفود الأقاليم الليبية الثلاثة في نهاية الأربعينيات على فكرة الملكية – أو على الأقل موافقة بعضهم ولو على مضض – دور كبير في حصول ليبيا على استقلالها. ولكن هذا لا يعني أن الملكية هي من أنجزت الاستحقاق، فالعمل الحقيقي لنيل الاستقلال سبق الاتفاق على شكل نظام الحكم آنذاك. تتويج ادريس السنوسي ملكًا على ليبيا أتى في المراحل الأخيرة للاستقلال، فبالتالي لا يصح أن ننسب للملكية ما لم تنجزه. وأنا هنا لا أنتقص من دور الملك ادريس أو من عمله الوطني قبل وبعد 1951.

 

يرتكز المقال المشار إليه على فكرة “انهيار” الاستقلال بوصول القذافي للحكم في 1969، وهي فكرة خاطئة تمامًا. أولا، الاستقلال ليس بناءً كي ينهار، إما أن تكون الدولة مستقلة أو أن تكون غير مستقلة. وحتى فقدان الدول لاستقلاليتها لا يتأتى فقط بتغير نظام الحكم فيها. لا بد من وجود طرف خارجي يحتل البلاد أو جزءًا منها حتى نتحدث عن دولة فقدت استقلالها.

 

ثانيًا، يبدو لي أن ثمة خلط في المقال بين مفهوم الاستقلال ومفهوم السيادة. الاستقلال هو، باختصار، التحرر من أي سلطة خارجية. أما السيادة فهي قدرة الدولة على حكم نفسها بدون تدخل خارجي. يمكن أن تكون الدولة مستقلة ولكنها غير ذات سيادة. ليبيا إبان حكم الملك كانت دولة مستقلة، ولكن الدول الأجنبية، بالأخص بريطانيا وأمريكا، كانت تؤثر بشكل كبير ومباشر على السياسة الداخلية والخارجية للمملكة، في انتهاك واضح للسيادة.

 

ثالثًا، يعلل الكاتب عدم دفاع الليبيين عن النظام الملكي في 1969 بالقول إن “معاني الاستقلال لم تتجسد في الشعب”، وهذا ادعاء لا يؤيده التاريخ المكتوب ولا الذاكرة الوطنية. لا أعتقد أن الوعي الشعبي بأهمية الاستقلال والسيادة في نهاية الستينات كان هشا أو ضعيفا. بل على العكس، كان الإحساس الوطني في أوجه؛ وهذا ما يفسر الغضب العارم، خاصة بين الشباب، تجاه النظام الملكي وتساهله مع التدخلات الغربية المتكررة ضد سيادة الدولة الليبية. على سبيل المثال، كان الحراك الطلابي والشبابي، بين 1964 وحتى 1969 ، مواظبا على التظاهر دعما للتيار القومي الذي بنى قواعده على شعارات السيادة الوطنية الكاملة والتحرر في الدول العربية. أضف إلى ذلك الغضب الشعبي تجاه وجود القواعد الأجنبية على الأراضي الليبية.

 

أما القول بأن ليبيا خسرت استقلالها في  1969 فهو مجانب للصواب ولا ينصف التاريخ والحقيقة. يمكننا نعت نظام القذافي بالديكتاتورية والرعونة وإلى ما ذلك، ولكن لا يمكننا نكران كون ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة في ظل حكمه. رغم سلبه لحرية الشعب، وهي حرية كانت إلى حد ما مسلوبة في عهد الملك نفسه، إلا أن نظام سبتمبر نجح في المحافظة على وحدة ليبيا، كما نجح في طرد القواعد الأجنبية وتحجيم دور الدول الغربية والدول المجاورة في الشأن الليبي. 

 

أما إذا أردنا الإنصاف، والإنصاف عزيز، فسنعترف حينئذ بأن ليبيا لم تفقد سيادتها حقًا إلا في 2011 وما أعقبها. ولا تزال للأسف، كما هو ظاهر للعيان، السيادة الليبية منتهكة من قِبل كل من هبّ ودبّ على وجه الأرض.

 

يمكننا أن نتفق على أن النظام الملكي كان أفضل مما تلاه، ولكن من السذاجة أن نتجاهل مساوئ التجربة الملكية في ليبيا. ويمكننا أن نتفق على سوء نظام سبتمبر ومظالمه، ولكن من الإجحاف أن نتحدث عن فقدان ليبيا لاستقلالها أو سيادتها بسبب ما قام به القذافي ورفاقه.

 

 استقلال ليبيا في 1951 أتى نتاج جهود وطنية جبارة قادها رجال آمنوا بقدرة الليبيين على أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم دون وصاية من أحد، وارتضوا أن يكون الحكم ملكيا إلى حين. ولكن، ونحن نستحضر ذكرى الاستقلال، ينبغي ألا ننسى أن بعض أولئك القادة قد تم نفيهم وإبعادهم في ظل الملكية نفسها التي نبجلها اليوم باسم ذكرى الاستقلال.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا الخبر

عن مصدر الخبر

ليبيا الخبر

ليبيا الخبر

أضف تعليقـك

تعليقات

  • تعقيباً عن مقالك الصريح الغير خال من بعض السلبية , وأحيي فيك شجاعتك الأدبية الشبابية التي تمس الواقع الفعلي, أو مايسمى الاطار الأجتماعي ,
    موضوع الملكية من المستحيل أن يكون له تأثير إيجابي في مجتمع مسلم وخاصة بعد نظام جماهيري يؤمن بحرية الأنسان , وأقصد هنا حريته أختيار تعليمه وكلمته وبناء دولته والحرص على أمنه والمحافظة على دينهى, وروابطه الأجتماعية ,
    ولاننسى أن النظام الجماهيري رغم وجود بعض التهورات والقبلية وكسر خطوات وطموح بعض الشباب والطلبة ممن ييعتلون المناصب و يغتنمون الفرص والمناصب لأسباب قبلية وشخصية بحثة …
    إلا أنه كان يوفر الأمن والغذاء والصحة وحرية التعليم الاساسي والجامعي ,, وكذلك الأهتمام بالنظافة والشئون الأسلامية وحفظ القرأن ليس للتسابق بل لخلق قدوة حسنة لمستقبل الاجيال ولم يقص أحد.

    وكذلك العلاقات الدولية والأجتمتاعية والأسلوب الدوبلوماسي الراقي وحسن الاستقبال والخدمات في العديد من المستويات وكذلك تخصيص مراكز إدارية للأهتمام بشئون اليتامى والضمان والعجزة وكبار السن في العديد من البلديات المحلية ,, والرياضة والأنشطة الثقافية والكتبات الزاخرة بالكتب الجيدة للقارئ بطريقة صحيحة وخالية من تشويه الفكر الأرستقراطي المتعالي البعيد عن الواقع الديني والأجتماعي الذي جاءربه النفوس المسمومة والحاقدة ,,ليس لشئ سوى لعيب خلقي أو عقلي لهذه الفئة من الناس والتى تتعالى حتى لألقاء تحية الأسلام وهذا التفكير والأداء
    يخلق الحواجز بين الناس ويمنع تبادل الأفكار أو التعاون الفكري البنْاء بين الشباب والناقد في إطار علمي واجتماعي وفي الحدود المتعارف عليها. للوصول لمجتمع متعاون وأكثر إيجابية وفي الأتجاه الصحيح ,, لكي لايقع الأخرين في نفس أخطاء من سبقوهم.

    ويربوا أبنائهم على حب الأخرين والعمل الصالح وعدم التمسك بالسلبية.

  • حقائق ليبية …تزوير و طلب العلم بالسلاح
    …..youtube.com/watch?v=d_FHKusoLN0
    …………………………………………………………………………………………………
    youtube.com/watch?v=F8_oSJkLw6M

  • الكثير يتحدث عن الملكية والاستقلال المزعوم وغيرها من الثرهات حول الديمقراطية الي كانت ايام الملكية ؟ ولكنهم لم يعاصروا ذلك ولم يعيشوه ؟
    فكم عان الشعب في ظل الملكية من الظلم والأهانة وعدم الآحترام من قبل الدول المستعمرة بيما فيهم ايطاليا التي يقال بأننا استقلينا منها ولكن في الحقيقة المواطن الليبي لا يستطيع ان يقف امام اي ايطالي مهما كان لأن الأيطليين كانو محميين .فكيف نكون مستقلين وعلى ارضنا مجموعة من القواعد الاجنبية والمعسكرات الأنجليزية التي كانت في طرابلس تشهد ذلك ؟

  • يبدو أن المجموعة المحاورة انقسمت الى طرفين ولو بدون قصد.
    المجموع الاولى : تؤيد النظام الملكي لكونه مؤسس الاستقلال وراعيه و بنى مؤسسات الدولة.
    المجموعة الثانية : تؤيد النظام الجماهيري لكونه المعبر الحقيقي لمفهوم الاستقلال والسيادة
    الوطنية الفعلية و ضامن للحريات والمساواة المادية كالغداء والملبس والصحة والامن.
    كلام جميل ولكل حججه وادلته وشواهده.
    ما يجمع الطرفين هو المقارنة بما بعد فبراير 2011م.
    هذا هو الحوار التاريخي الذي يجب ان يستمر النقاش فيه ولا حرج أن يكون لنظام فبراير ومؤيدوه
    وجهة نظر ورأي في هذه القضية وغيرها .
    والصحيح الذي يجب ان يجمع الجميع وهو امر ضروري وحتمي هو الوطن ومستقبله.
    الوطن يا سادة من الثوابت والسلطة من المتغيرات، وبفرض حسن النية والمصداقية من كل الانظمة السابقة والحالية فالكل قد اجتهد وحاول و لهم اجرهم عند الله جميعاً.
    التاريخ رواية معززة بالوقائع والاحداث تستوجب على الاقل 5 عقود من الزمن حتى تكون دليلا محايد وغير مشكوك فيه. لذلك لا نستطيع الحكم على مرحلة معينة الا بعد هذه المدة الزمنية على الاقل وتوجد اسباب علمية لذلك اهمها التحرر من الجيل الحاضر لانه منغمر فيه ويحمل مؤثراته لذلك لن يكون محايد. ما يمكن العمل فيه الان هو التوتيق بمختلف انواعه ( صوت وصورة مكتوب ومقروء ومسموع وغيرها) ، وهو امر طبيعي ومشروع وغير محتكر ولا حدود له.
    الوطن هو ذلك الكيان المادي والمعنوي بما فيه وما عليه وما له اكبر من أي مكون فيه ولا ينبغي احتكاره فكريا او ماديا او عقائديا. الوطن يجمعنا فلا تراجع عن التقدم الحضاري للانسانية بتكوين دولة مدنية متكاملة المؤسسات بلا تداخل في مهامها. السلطات الاربعة المعروفة عالميا
    التشريعية و التنفيدية والقضائية والاعلامية. وفي هذا الاطار يسمح بالحوار والنقاش والاجتهاد والابداع إن وجد ؟! وما عداها مضيعة للوقت واهدار للاقتصاد الوطني لا بل ولاهم عنصر فيه وهو الثروة البشرية وبالتالي ردة في الحضارة الانسانية. وفي هذا السياق يحدد التاريخ البعد والقرب عن هذا المسار لأي نظام سياسي بغض النظر عن من هو واسباب ظهوره وخروجه.
    انتبهوا يا سادة فالجميع في مركب واحد والعبور يتطلب جهود الجميع والحياة مدرسة فلا اقصاء ولا عزل ولا تهجير ولا حتى تجاوز لأي من المكونات الاساسية للمجتمع حتى يكتب لنا النجاح والانعتاق من وحل الفوضى و التامر على من هم من صلب مكوننا الاساسي.وللموضوع بقية.