كتابات

البعثة الأممية في ليبيا.. إلى أين تريد أن تصل؟

ليبيا الخبر
مصدر الخبر / ليبيا الخبر

علي أبوزيد/كاتب ليبي

الكثيرون منزعجون من الدور الأممي في ليبيا ولما يقوم به المبعوث الأممي غسان سلامة ونائبته للشؤون السياسية ستيفاني ويليامز من تحركات واسعة على صعيد كثير من الملفات التي أبرزها الترتيبات الأمنية والإصلاحات الاقتصادية، ويعلل المنزعجون من ذلك بما تمثله هذه التحركات من انتهاك للسيادة الوطنية ووصاية عليها من قبل البعثة الأممية.

 

وتر السيادة الوطنية لا تفتأ أطراف عديدة تعزف عليه متى أحست بدور هامشي أو غياب فاعليتها في المشهد حتى صار نغمه نشازاً لا يحرك أحداً، والحقيقة أن أهم مقومات السيادة الوطنية تتمثل في التوافق على نظام الدولة القائم على دستور ينظم آلية الحكم بما يتماشى مع مبدأ التعددية والتداول السلمي على السلطة وقبول الآخر والتعايش معه ويخضع الجميع لهذه المرجعية ويحتكم إليها، أما استخدام نغم السيادة للتبرّم بالدور الأممي فلا يعدو كونه تشغيباً سياسياً لا معنى له.

 

منذ توقيع الاتفاق السياسي بالصخيرات المغربية لم يكن للبعثة دور ملموس وكبير إلى أن حدثت اشتباكات العاصمة في الخريف الماضي، حيث استطاع المبعوث الأممي أن يلعب دوراً مهماً وحاسماً في نزع فتيل الاقتتال ويتخذ من اتفاق وقف إطلاق النار مناسبة لتفعيل الترتيبات الأمنية التي ماطل فيها الرئاسي ما يقارب الثلاث سنوات، كما استغلّ سلامة الفرصة ليضغط على الرئاسي ويقرّ برنامج الإصلاحات الاقتصادية المقترح من مجلس الدولة، والذي أيضا ماطل في إقراره بسبب رفض المجموعات المسلحة المتوغلة والمتنفذة في العاصمة طرابلس لهذه الإصلاحات.

 

أتاحت البعثة الأممية بعد ذلك الفرصة لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بعد أن أبديا النية للتقارب والدفع بالعملية السياسية للإمام من خلال توحيد السلطة التنفيذية وذلك بإعادة هيكلة وتعديل المجلس الرئاسي، وكالعادة أثبت مجلس النواب فشله وعجزه عن الإيفاء بالتزاماته، بل زاد المشهد المعقّد تعقيداً بإقراره قانون الاستفتاء على مشروع الدستور بشكل مشوّه ومخالف لما توافق عليه مع المجلس الأعلى للدولة، والملاحظ أن البعثة الأممية لم تُولِ اهتماماً كبيراً لما جرى بين المجلسين، بل استمرّت في تركيز عملها وزيادة دعمها للمجلس الرئاسي فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية والإصلاحات الاقتصادية، وقد رأينا ثمار هذا الدعم الكبير فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية من خلال الاجتماعات واللقاءات المكثفة مع وزير داخلية الوفاق، والتي أرسلت رسائل هامة كان لها دورها المهم في كبح جماح المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس وإعلانها الخضوع لسلطة وزارة الداخلية رغم اللهجة الحازمة والشديدة من وزيرها وفي صراحة غير معهودة من وزراء داخلية سابقين، وفي صعيد آخر دعت البعثة الأممية إلى لقاء يجمع أعضاء الرئاسي المقاطعين مع رئيسه وبقية أعضائه في تونس العاصمة في العاشر من يناير الحالي، وذلك في مساعي البعثة لتقوية السلطة التنفيذية وتحسين أداء ورفع مستوى التمثيل فيها.

 

هذا التركيز من البعثة الأممية على السلطة التنفيذية وجعلها أولى أولوياتها يدعو إلى التساؤل عما تسعى إليه البعثة الأممية من وراء ذلك، والجميع يدرك أن المخرج من الأزمة لن يكون إلا بإجراء انتخابات عامة، وهي التي تحتاج بدورها إلى استحقاقات تشريعية ودستورية ليست من صلاحيات المجلس الرئاسي، فهل تسعى البعثة لإبقاء الوضع على ما هو عليه إلى إشعارٍ آخر؟

 

قد يرى البعض أن البعثة الأممية في مسعاها هذا لا تريد إلا ضمان المصالح الغربية من خلال إيجاد سلطة تنفيذية قادرة على ذلك، وهذا الأمر قد يكون صحيحاً على نحو ما، ولكن ليس هو الدافع الرئيس، فالبعثة الأممية تدرك جيداً أن وجود سلطة تنفيذية قادرة على ضمان المصالح الغربية أمر مهم لتخفيف حدة الخلاف والتنافس على الملف الليبي دولياً، ولكن أيضا –وهو الأهم-  وجود سلطة تنفيذية ذات أداء جيد وقادرة على رفع المستوى المعيشي للمواطن وتحسين الخدمات وممثلة فيها مختلف مناطق ليبيا سيكون عاملاً مهماً لإعادة بناء الثقة بين الليبيين وهي خطوة ضرورية قبل عقد الملتقى الوطني الجامع، لذلك فإن إعادة ترميم المجلس الرئاسي وعودة الأعضاء المقاطعين خطوة في الاتجاه الصحيح خاصّة إذا صحبتها ضمانات لإنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي والترتيبات الأمنية وعدم عرقلته، مع العمل على ضرورة إنهاء الأجسام الموازية، ولا يمكن إغفال أن الحديث عن موازنة عام 2019 وأنها ستتجاوز الـ50 مليار قد أسال لعاب كثير من المتعنتين سياسياً وجعلهم على استعداد للتضحية بالثنيّ وحكومته الموازية ليكون لهم فيها نصيب.

 

يمكن القول إن البعثة الأممية صارت أكثر نضجاً في التعامل مع الأزمة الليبية، وهي تتجه لمعالجة مضاعفات الانقسام السياسي الحادّ والتخفيف من تقرحاته التي أضنت جسد الوطن وأنهكت مؤسساته، والليبيون اليوم مطالبون أن يكونوا في نفس المستوى من النضج وفي أعلى درجات المسؤولية ليعبروا بوطنهم من هذه الأزمة ولعل الملتقى الجامع يكون طاقة الضوء التي تنير لهم حتى يبلغوا نهاية نفق الأزمة.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا الخبر

عن مصدر الخبر

ليبيا الخبر

ليبيا الخبر

أضف تعليقـك