كتابات

الملتقى الجامع والاتفاق السياسي

ليبيا الخبر
مصدر الخبر / ليبيا الخبر

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

 

التصريحات الأخيرة للمبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة بخصوص مقترح جديد للخطة الأممية يهدف إلى إجراء انتخابات نيابية ومن بعدها الاستفتاء على الدستور ثم إجراء انتخابات رئاسية نهاية العام الجاري – هذه التصريحات أثارت جدلاً واسعاً عند متابعي الشأن السياسي الليبي، واستنكر كثيرون هذا المسعى الأممي معلّلين ذلك بعدة أمور من أبرزها: أن الانتخابات لا يمكن إجراؤها دون قاعدة دستورية يتم التوافق عليها، كما أن العملية السياسية لم تعُد تحتمل مرحلة انتقالية جديدة، إضافة إلى الاستياء الذي أبداه كثيرون من دور المبعوث الأممي الذي اعتبروه الحاكم الفعلي لليبيا –على حدّ وصف البعض-.

 

وإذا أردنا التعاطي بواقعية مع تصريحات المبعوث الأممي وإسقاطها على الراهن السياسي فيمكن القول: إن المبعوث الأممي يمارس دور الوسيط بين الفرقاء الليبيين الذين يعانون حالة مستعصية من انهيار الثقة بينهم تجعل منه الوسيط الأكثر قبولاً لدى مختلف الأطراف، وهو يطرح مقترحاً ليناقشه مع هذه الأطراف ليصل من خلاله إلى حد أدنى من التوافق، والرجل لا يملك أن يفرض على الليبيين شيئاً ما لم يتوافقوا عليه، هذا جوهر دور المبعوث الأممي والاستياء منه دعاية سياسية سمجة ومكشوفة.

 

أما ما يخصّ حديثه عن إجراء انتخابات نيابية قبل الاستفتاء على الدستور فأعتقد أن الجميع يدرك أن العملية السياسية في ليبيا مشلولة ومتوقفة لسبب رئيسي هو الأداء الكارثي لمجلس النواب الذي عجز أن ينجز شيئاً من استحقاقاته التشريعية بشكل صحيح وسليم وبما يتماشى مع روح الوفاق الذي أسّس له الاتفاق السياسي، بل كانت آخرُ إرباكاته للمشهد إقرارَه لقانون الاستفتاء على مشروع الدستور بصورة مشوّهة ومخالفة لما تمّ الاتفاق عليه بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بل جعل هذا القانونُ مصيرَ مشروع الدستور مجهولاً وبيد مجلس النواب في حال تمّ رفضه شعبياً، وهو احتمال وارد جداً بسبب الاشتراطات الصعبة التي اشترطها هذا القانون لتمرير مشروع الدستور بحصوله على موافقة أكثر من ثلثي الأصوات إضافة إلى حصوله على الأغلبية المطلقة في كل إقليم من الأقاليم الثلاثة.

 

لذلك فإن تصريحات سلامة جاءت لتقدم مقترحاتٍ قد يتم التوافق عليها في الملتقى الوطني الجامع، وتؤدّي مخرجاتها إلى تجاوز عقبة مجلس النواب التي صار لزاماً تخطيها لتتمكن العملية السياسية من الاستمرار وكسر حالة الجمود التي تسيطر عليها، ولا بدّ هنا من الوقوف عند الأصوات التي تتعالى مؤكّدةً على أن الملتقى الجامع لا يمكن أن يكون بديلاً عن الاتفاق السياسي، بل هو داعم له، لا سيما وأن هذه الأصوات في أغلبها تأتي من المجلس الأعلى للدولة.

 

لا شك أن الاتفاق السياسي كان له الأثر الأبرز في ترسيخ الحوار كحل وحيد للأزمة الليبية من خلال العملية السياسية، وقطع الطريق أمام مشروع عسكرة الحكم وأعاد التوازن إلى المشهد من خلال إيجاد شرعية معترف بها دولية في غرب ليبيا، إلا أن تطبيق هذا الاتفاق جزئيا فقط وتنصّل مجلس النواب من التزاماته تجاهه جعل هذا الاتفاق عاجزاً عن إنهاء الأزمة والجمود عليه هو تجميد للعملية السياسية، لذا فإنّ الليبيين اليوم مطالبون بالخروج بتوافق جديد يبني على الاتفاق السياسي ويكمل ما بدأه، ولهم في الملتقى الجامع الفرصة المواتية ليصلوا إلى هذا التوافق، وهم اليوم أمام خيارين:

 

إن من ينادي إلى التمسّك بالاتفاق السياسي والجمود عليه إنما يسعى لإبقاء الوضع على ما هو عليه ليستمرّ أطول فترةٍ ممكنة في السلطة، والمجلس الأعلى للدولة اليوم في اختبار حقيقي لمصداقيته في إنهاء الأزمة السياسية، وعليه أن يكون واقعيّاً ويسعى أن تكون مخرجات الملتقى الوطني الجامع بمثابة رصاصة الرحمة التي تنهي عمر مجلس النواب الميت سريرياً والذي أطال ببقائه الأزمة ومدّ في أمد المعاناة الوطنية.

 

إن الملتقى الوطني الجامع ما لم يقدم على هذه الخطوة الشجاعة لن يكسر جمود العملية السياسية ولن يكون سوى محطّة عابرة يمرّ بها قطار أزمتنا وهو يتّجه إلى المجهول، وأرجو ألّا يكون كذلك.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا الخبر

عن مصدر الخبر

ليبيا الخبر

ليبيا الخبر

أضف تعليقـك