كتابات

من فخ الثورة إلى خيار الدولة

ليبيا الخبر
مصدر الخبر / ليبيا الخبر

صلاح الشلوي/ كاتب ليبي

 

في البدء يصعب على مثلي أن يتأخر عن تحية شعب انتفض في السابع عشر من فبراير عام 2011 لأسباب موضوعية يتنكر لها من يتنكر جحودا وكبرا وجهلا، ليس من دافع أقوى من الانسداد الذي أوصل له النظام القديم البلد، حتى تجرأ في مارس 2008 أن يسيل مؤسسة الدولة (Total Liquidation) وتصفية أعمالها بالكامل، وبشكل مقلق لأنه يدل أن النظام بلغ من الشيخوخة لدرجة أنه في أوان احتضاره يفكر في ( تك يحرق كل شيء ) لما يعرف في فكر العمران بمقولة ” خيار شمشون” وشعار ” أنا ومن بعدي الطوفان”، ولم يكن يهمه سوى النفط وكتائب الأمن والخارجية والمصرف المركزي، أما بقية الخدمات ووظائف الدولة فقال أنه لن يتحمل مسؤوليتها، من شرطة وصحة وتعليم ومواصلات وإسكان وبنى تحتية، كل ذلك جاء نتاج تخبط سياسي وبيروقراطي وفساد نخر النظام حتى النخاع، ونتاج الهوس بالمغامرات، آخرها الفكرة الحنونية التي أطلق عليها اسم ملك ملوك إفريقيا والصحراء.

 

أي عاقل عندما يمر عشية فبراير السابع عشر 2011 ويرى الليبيين في الشوارع يهتفون بإسقاط النظام ” الشعب يريد إسقاط النظام” آخر شيء يمكن أن يوسوس له به عقله أن هناك مؤامرة خارجية على النظام تستهدف إنجازاته ونجاحاته، بل لا يعطى لنفسه حتى مجرد فرصة للحظة في التفكير مستغربا هذا الخروج الحاشد غير المسبوق في تاريخ الهيئة الاجتماعية الليبية حتى أيام كان الحكام أجانب سواء العثمانيين أن الفاشست، لأن الأسباب الموضوعية للثورة كانت عبارة عن جنين في رحم الهيئة الاجتماعية ينتظر لحظات الطلق ليولد، وعلى الرغم من كل شيء فقد ولد ولادة قيسرية دموية عسرة، هل كان مخطط لها مسبقا أن تكون على ذاك المنوال الدامي، كلا، بل كان يتوقع أن تسير على نفس المسار الذى سارت عليه الثورتان عن شمال ويمين في تونس ومصر، على الرغم من القلق الذى كان يسيطر علي بسبب معرفتي العميقة والدقيقة بطبيعة شخص قيادة النظام القديم، وردود أفعاله، ولكن وقع ما لم يكن من وقوعه بد، وانفجر المشهد وسرعان ما انتقل من الفصل السلمي ليلج إلى فصل المواجهة المسلحة المفتوحة عل كل الخيارات والمفاجآت للأسف الشديد، وكل ذلك بسبب صلف وتعنت النظام القديم ورفضه لكل النصح ورفضه للقيام بأى خطوة قد تسهم في احتواء الموقف حينها.

 

لا أعتبر أنه من الجدية في شيء الخوض في ذلك الجدل حول دواعى الثورة من عدمها، وما إذا كان بالإمكان تجنب ما جرى، وسط السلوك الدامي لرأس النظام، وكان السبب في تفويت بديل سلمي آخر عن الفصل الدامي الذى عاشته البلد !.

 

ولكن لا بد من الاستدراك هنا من أجل ليس فقط استجلاء عناصر الوعى السياسي اللازم للنواهض الواعدة، بل بدافع غريزي أيضا ينحو منحى الحرص على الإبقاء على ما تبقى ورفض فكرة إذا أنها ركن من الجدار فيحق لك أن تهد الجدار كل عوضا عن المبيت كاملا، ولا تجعل بقاء البيت مترهلا وركامه وذهابه سواء، لا بل يجب الإبقاء على ما تبقى، وإلا فالكلام سكون عن خيار الفناء والانتحار الجماعي، وهذا لا يجب أن يكون واردا وسط ذهنية وفكر النواهض ممن ينشدون الفكر السياسي الواقعي والنفعي، الذي يرعى دائما المنافع التى تعود على الناس كلهم وليس مكسبا سياسيا محدودا، وهنا يجب أن لا يكون بين النواهض وبين الواقع أي أبواب مواربة بل افتحوا الأبواب على مصراعيها لتجدوا الواقع يقول لكم ” احذروا فخ الثورة” !، لأن هذا الذى أفسد الحياة السياسية منذ 1 سبتمبر 1969 حتى عشية 17 فبراير 2011، الثورة التي علقت فيها مؤسسة الدولة يوم قيل السلطة شعبية والإدارة ثورية أهدرت مليارات ناهزت الترليون دولار أو ينقص قليلا من مداخيل النفط خاصة في طفرة الأسعار النصف الأول من العقد السابع من القرن الماضى، والسبب لعنة الثورة والتشويش على مؤسسة الدولة، ومها يكن من أمر فالثورة قد استنفدت اغراضها كاملة، ويجب على النواهض الحذر من الصراخ الذي يتكلم على ضرورة استمرار الثورة كي لا تسرق وكي لا يعود النظام السابق، وليعلموا أن هذا ما يروج له تيار الفوضى، لأنهم يشعرون أن المحافظة على حالة الفوضى ستمكنهم من النفوذ، بينما مجيئ الدولة يعني وضع المواطنين كلهم سواسية، بدون ميزات وبذلك تفوت عليهم فرص الثراء والنفوذ والسطوة، ويحشرون في ثنايا كلامهم آيات قرآن وأحاديث وشواهد من سيرة الخلفاء الراشدين عليهم رضوان الله لتدليل على عقلانية ومشروعية تلك الهرطقة الجوفاء.

 

وهنا يجب أن لا يفوتنا وفي رحاب مرور الذكرى الثامنة أن الذكرى طيبة ذكرتنا بيوم من أيام الله عظيم في تاريخنا الاجتماعي السياسي المعاصر، ولكن لتبقى ذكرى لا أكثر ولتتجه الأنظار إلى خيار الدولة، لأن بقاء شعار الثورة مستمرة هو نفس شعار القطة عندما تأكل أبناءها !، من الخطورة بمكان أن تستمر مثل هذه الشعارت في الوسط، بل يجب أن يقال شكر للشهداء على الهدية وهي الحرية، حرية الاختيار، وليذهب الجميع إلى الصناديق وليمنحوا أنفسهم الوقت لإنجاز الخيارات رغم كل الأخطاء التي حدثت في اختياراتنا السابقة، وليطلبوا من الثورة أن تعود إلى بيتها وتترك الشارع للدولة، أم أن يخرج بعض الفوضويين ليزاحموا الدولة بشعارات الثورة فهؤلاء يخرقون السفينة بوعى أو بدون وعى، ومن أخطر ما شاهدناه في مناسبة ذكرى الفوضى استمرار عزم تيار الفوضى على تأسيس كيانات عسكرية جديدة خارج شرعية الدولة لتكون إضافة على الساحة المزدحمة بتلك التشكيلات والجيوش والمليشيات، فإلى أين يريد أن يصل هؤلاء بالدولة بهذا التفكير العدمي الذى يصوغه لهم أشخاص متوترون وفقهاء دم لا يشكل عندهم إهدار دم ليبي مشكلة كبيرة، والفتاوى جاهزة من أبواب العدو الصائل والفئة الباغية وغيرها من الأبواب التي يصعب على المتصدرين للإفتاء اليوم إدراك العمق والملابسات الظرفية السياسية والاجتماعية التي ارتبطت بنشأة تطور تلك الأبواب وموقعها الوظيفي الظرفي وسط المسار العام

 

لتطور البنيوي للفكر  فيجب الخروج من فخ الفوضى الذي سيقعوا فيه باطالة أمد الثورة وإلا سيكون أول ضحايا تلك الفوضى وسيجلبون الدمار على أنفسهم ومجتمعهم بالضرورة.

 

دودشوا الثورة إلي بيتها وقبلوا جبينها الوضاء وودعوها على أمل اللقاء بها في عيد ميلادها التسابع بإذن الله، وعودوا أنتم إلى حضن الهيئة الإجتماعية الليبية متمثلة في مؤسسة الدولة الليبية، ولعمركم إن في ذلك لبلاغ لقوم يعقلون.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا الخبر

عن مصدر الخبر

ليبيا الخبر

ليبيا الخبر

أضف تعليقـك

تعليق

  • تحليل عميق ومركز وايجابي، لكنه مازال بعيدا عن طموحات الهيئة الاجتماعية الليبية.. لقد شدني ما قراته واجبرني على التعليق عليه واهم ما يستخلص من المقالة الاتي:
    1) تاريخ الهيئة الاجتماعية الليبية مند أيام كان الحكام أجانب سواء العثمانيين أن الفاشست.
    2) وعلى الرغم من كل شيء فقد ولد ولادة قيسرية دموية عسرة، على ذاك المنوال الدامي.
    3) ضرورة استمرار الثورة كي لا تسرق وكي لا يعود النظام السابق.
    4) لتتجه الأنظار إلى خيار الدولة، لأن الثورة ستأكل أبناءها !،
    5) استمرار عزم تيار الفوضى على تأسيس كيانات عسكرية جديدة خارج شرعية الدولة
    6) الفتاوى جاهزة من أبواب العدو الصائل والفئة الباغية
    7) دودشوا الثورة إلي بيتها وقبلوا جبينها الوضاء وودعوها على أمل اللقاء بها
    8) الفكر السياسي الواقعي يرعى دائما المنافع التى تعود على الناس جميعاً
    9) الفكر السياسي النفعي لكل الناس وليس مكسبا سياسيا محدودا،
    10) ” احذروا فخ الثورة”
    ولا ننسى عنوان المقالة “من فخ الثورة إلى خيار الدولة”
    طيب : استاذ صلاح.
    هل انت شخصياً منحاز الى الوطن أم الى طرف بعينه مباشر اوغير مباشر
    هل يمكننا الحكم تاريخيا على أي مرحلة ونحن مغمورين فيها؟
    هل يوجد في القاموص الانساني شئ اسمه الثورة اصلا.
    هل العبرة في ما مضى أم في ما سيأتي وننتظره أو نعيشه؟
    هل من دواعي المصالحة المجتمعية تجريم وتكفير البعض وغض النظر عن الاخر.
    هل ذلك الاجنبي العثماني والفاشستي والاسباني والفرنسي وغيرهم في نفس الخانة
    لماذا لا تترك لشيخ العلوم بالفصل والحكم في أي من هذه المراحل عندما يسمح له الفرصة والمعايير الموضوعية والتحرر من الجيل الحاضر.
    الاتجاه للامام لبناء الدولة بتوافق ومشاركة الجميع سيثبت اركانها ويكسبها الاستمرارية.
    وللموضوع بقية.