كتابات

الملتقى الجامع بين الإمكان والواقع

ليبيا الخبر
مصدر الخبر / ليبيا الخبر

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

 

كثّف المبعوث الأممي غسان سلامة بعد اجتماع أبوظبي لقاءاته التحضيرية للملتقى الجامع، مع تزايد الحديث عن قرب لقائه وترجيح عقد في ليبيا، ويبدو أن سلامة رأى في المبادئ التي تم الاتفاق عليها بين فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي وخليفة حفتر قائد قوات الكرامة في أبوظبي ضمانات كافية للعمل بشكل أكثر جدياً وبوتيرة أسرع لعقد الملتقى الجامع، خاصة بعد صدور بيانات تدعم ما نتج عن هذا الاجتماع، وأهمها بيان الدول الأربع أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ورغم اللقاءات التي يعقدها سلامة بكثرة هذه الأيام، فإنه لا يوجد إلى الآن مقترح واضح يمكن الجزم بأنه هو ما سيتم نقاشه في هذا الملتقى.

 

وينقسم المتابعون للمشهد الليبي بين مؤيد لتحركات سلامة ويرى فيها محاولة جيدة لها فرص من النجاح كبيرة، وبين مقلّل من جدوى هذه التحركات معتبراً أنها ستعجز عن حلحلة الأزمة وتجاوز الانسداد وكسر الجمود الذي يسيطر على العملية السياسية، ولعل قراءة متأنية لعقد الملتقى الجامع في سياق ما بعد أبوظبي يخرج بمقاربة تقلل من هذا الانقسام في المواقف حول تحركات سلامة الأخيرة.

 

يدرك الجميع أن الأطراف السياسية جميعها تتفق على أن إجراء انتخابات هو المخرج من الأزمة السياسية وأنها ستنهي حالة الانقسام وتنازع الشرعية، إلا أن الخلاف يتركز في الإطار الدستوري لهذه الانتخابات، وهل ستكون هذه الانتخابات قبل الاستفتاء على الدستور أم بعده، وصار واضحاً لدى الكثيرين صعوبة حدوث توافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بخصوص التوافق على قانون الاستفتاء على الدستور خاصة بعد إصدار قانون مشوه من مجلس النواب ومخالف لما تم الاتفاق عليه مع المجلس الأعلى للدولة، وإصراره على عدم تضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري مما يجعل منه جسماً عاجزاً عن أي أداء سياسي مثمر، وعلى صعيدٍ آخر هناك التعنت من خليفة حفتر الرافض للاعتراف بالاتفاق السياسي وما انبثق عنه من أجسام، والماضي في مشروعه العسكري المصرّ على جعل المؤسسة العسكرية سلطة موازية للسلطة المدنية، إضافة إلى ذلك فإن المجلس الرئاسي يعاني من ضعف واضح في الأداء وعدم قدرة للتجاوب مع الأحداث بشكل فعال، ومجلس الدولة بصلاحياته المحدودة يبقى عامل اتزان في المشهد السياسي لا أكثر.

 

في ظل هذا المشهد المعقّد كان عقد الملتقى الجامع فرصة هامة وكبيرة لإيجاد معادلة تغير الوضع الجامد الذي يجعل كل طرف متمسك بمكاسبه دون إبداء أي رغبة للتنازل لإحداث نوع من التقارب أو التوافق، وكان في إصرار حفتر على التوسع بعملياته العسكرية جنوباً دليلاً واضحا على تصلّب المواقف والإصرار على نسف العملية السياسية الهشّة، خاصة وأنه توجه للجنوب وعينه على العاصمة معتقداً أن سيطرته على المنشآت النفطية سيعطيه أفضلية في أي تفاوض أو تسوية.

 

لقاء أبوظبي جاء بمخرجات جيدة في إطارها العام ويمكن الاستفادة منها والبناء عليها، خاصةً وأنها حيّدت المنشآت النفطية من الصراع وأكّدت على حتمية الحل السياسي ومدنية الدولة وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، مما يقلل من شأن التقدم العسكري الذي يدعيه حفتر في الجنوب، ولعل لقاء أبوظبي جاء بعكس ما نتوقع، حيث جرّد حفتر من نشوة انتصاراته المزعومة في الجنوب وحرمه من استثمارها سياسياً ولعل هذا ما يفسر عدم تعليق معسكره على لقاء أبوظبي.

 

يمكن القول إن لقاء أبوظبي أعاد توحيد الموقف الدولي لدعم العملية السياسية في ليبيا، وكذلك أعاد تحجيم حفتر وقبوله على مضض بالحل السياسي، وهو ما يجعل المناخ مهيأً للعمل على الملتقى الجامع لإنتاج صيغة توافقية يمكن أن تنهي الأزمة وتؤدي بالوطن إلى المرحلة الدائمة والمستقرة، وهذا ما يجعل الأجسام السياسية مطالبة بالبحث عن مقاربة حقيقية تكون هي الأقرب للتوافق والأكثر للتطبيق واقعياً بعيداً عن نهج المغالبة والبحث عن توافق مشوه يضمن المصالح الضيقة أو المحاصصة، ويمكن القول أن الأعلى للدولة بدأ يخطو خطوات جيدة في هذا الاتجاه.

 

أيضاً فإن إصرار بعض الأطراف على عقلية التعنت والخطاب الثوري المتصلب الذي تجاوزه الواقع سيبقيه خارج دائرة التأثير السياسي وسيجعل منها كتلة ثقيلة غير ذات قيمة في المعادلة السياسية.

 

إن الملتقى الجامع في هذا الوضع المعقد وحالة الانقسام المترسخة يمكن اعتباره الآلية السياسية الأقرب لإمكانية إنتاج صيغة توافقية بين مختلف الأطراف خاصة إذا استمر الزخم الدولي الدعم للمبعوث الأممي في مسعاه وتم تحجيم التدخل الإقليمي المعرقل.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا الخبر

عن مصدر الخبر

ليبيا الخبر

ليبيا الخبر

أضف تعليقـك