كتابات

ظلال الأزمة الليبية على جوارها

ليبيا الخبر
مصدر الخبر / ليبيا الخبر

المبروك الهريش/ كاتب ليبي

 

ما من شكّ في أن الأزمة في ليبيا تؤرق دول الجوار العربي والإفريقي خوفا من انتقال عدوى الفوضى إلى تلك الدول؛ ما يجعل من تحركاتها في خط مفاوضات حلّ الأزمة الليبية أمرا طبيعيا، فالجغرافيا تلعب دورا رئيسيا في تحديد شكل الحل الذي سيمكن البلاد من تجاوز أزمتها، والخرائط كما قال فيرناند بروديل في كتابه “تاريخ الحضارات” هي التي تروي القصة الحقيقية.

 

تموضع ليبيا في منتصف الساحل الإفريقي المقابل لجنوب أوروبا يجعل منها ممرا أساسيا لحركة التجارة والعبور، ومجاورتها لمصر الدولة العربية الأكثر سكانا، وقلب العروبة والإسلام، وما تحمله من ثقل على مستوى المنطقة، إضافة إلى الجزائر الدولة القوية هي الأخرى رغم ما يمر به نظامها السياسي الحالي من أزمة عاصفة، كذلك تونس بثقل أقل من مصر والجزائر وبعلاقة اقتصادية أوسع، هذا التموضع يعطي ليبيا أهمية جيوسياسية كبيرة، وهي نقطة قوة رئيسية تفرضها الحسابات الدولية نظراً لحساسية هذا الموقع الذي يؤثر على ملفات مهمة كالإرهاب والهجرة، وهو ما لا يمكن المغامرة فيه.

 

هذا التمهيد هو محاولة لقراءة حيثيات اجتماع وزراء خارجية دول مصر والجزائر وتونس قبل أيام في القاهرة لبحث الأزمة الليبية، وانعكاس نتائج هذا الاجتماع على أرض الواقع والحديث عنه في هذه السانحة.

 

اجتماع القاهرة الأخير لم يكن الأول من نوعه ولن يكون الأخير، والداعي الأول لهذا الاجتماع هو وزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل في سياق زمني أعقب تحركات لحفتر المدعوم مصريا في الجنوب الليبي، أعقب أيضا لقاء أبوظبي الحليف القوي للقاهرة في أغلب الملفات الإقليمية، وتحاول الجزائر من خلال هذا الاجتماع الإبقاء على التوازن بينها وبين مصر، وهو ديدن السياسة الجزائرية في التعامل مع مصر في الأزمة الليبية؛ إذا تعتمد التحرك الدبلوماسي البطيء والمدروس في لعب أدوار وتحقيق مصالح دون التحرك على الأرض أو الدعم الاستراتيجي لطرف كما تفعل القاهرة.

 

الأمن الحدودي والإرهاب، ملفان تشترك فيها الدول الثلاث في نظرتها إلى الأزمة الليبية، الاقتصاد هو ملف مهم للجانب المصري خاصة في ما يخص العمالة وبنسبة متقاربة مع تونس خاصة في جانب السياحة والعلاج، وهو ملف غير مهم بالنسبة للجزائر، وفي كل الأحوال هذه الملفات هي ملفات استراتيجة أيضا لليبيا، ومن المصلحة التعامل بجدية مع هذه الدول في هذه الملفات.

 

هذا على المستوى الاستراتيجي، أما على المستوى السياسي، فالاختلاف يصل إلى الجذور في نظرة كل دولة إلى طبيعة الحل للمعضلة الليبية، فرغم اتفاق الجزائر وتونس على ضرورة أن يكون الحل في ليبيا “سياسيا”، تلعب القاهرة دورا رئيسا في تقويض الحل السياسي في ليبيا من خلال دعم سخيّ لحليفها في شرق ليبيا خليفة حفتر وهو الرافض لكل الحلول التي لا تجعله الحاكم الوحيد في ليبيا، واستنساخ تجربة الحكم العسكري في مصر حتى وإن غُلّف بغلاف مدني.

 

هذا الاختلاف، إضافة إلى صراع الأقران بين الجزائر ومصر يجعل من الاجتماع الدوري لوزراء الدول الثلاث مجرد لعب على حبل التوازنات ومحاولة إثبات الوجود أكثر من أي شيء آخر، وهو ما يجعل التأثير في شكل حل الأزمة الليبية شبه منعدم، يدلّل على ذلك عدم تعويل المبعوث الأممي إلى ليبيا على نتائج هذه الاجتماعات وهو الوسيط المدعوم دوليا لحل الأزمة الليبية، لم يتفاعل مع نتائجه حتى بترحيب بسيط، رغم زياراته المتكررة إلى هذه الدول، والتي تنضوي تحت المجاملة السياسية، أو “اتقاء الشر” في أحسن الأحوال.

 

إن الأزمة الليبية أزمة معقدة تتداخل فيها الخلافات الداخلية العميقة، مع الصراعات الخارجية المتجذرة، ومن حسن حظ البلاد وجود حكومة تنال الاعتراف الدولي، دورها الرئيسي في هذه المرحلة الحسّاسة هو استيعاب الداخل، والتعامل بحذر وسياسة مع الخارج، والبديهي أن دول الجوار تمثل العمق الاستراتيجي للدولة الليبية، وهو ما يحتم على المجلس الرئاسي تصفير المشاكل مع هذه الدول، والتعاون المشترك في القضايا والملفات المشتركة، لتحقيق الأهداف المرجوة في صالح كل شعوب المنطقة، دون تدخل في سيادة ليبيا أو انتهاك لأرضها.

ش

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع ليبيا الخبر

عن مصدر الخبر

ليبيا الخبر

ليبيا الخبر

أضف تعليقـك